الطريق 4
الثقافي
مقدمة في الفكر التحديثي
مقولات إدراك حقيقة الأشياء والظواهر
د. جواد الزيدي
ان ضرورات الحياة وحتمية التطور التأريخي وغيرها من المتغيرات في البنى
الاجتماعية والاقتصادية والفكر السياسي وسقوط حكم المؤسسة الدينية كانت
من اهم مقومات الحداثة الاوربية وظهورها على السطح متزامنة مع عصر
النهضة الصناعية في القرن التاسع عشر الميلادي حيث بدايتها الحقيقية
بعد ان سبقتها مقدمات على صعيد الفكر الإنساني، إلا ان البعض أعتبر
بدايتها مع طروحات ماركس الشاب في أربعينيات القرن التاسع عشر ووصفها
آخرون بأنها بدأت مع طروحات ديكارت الشكية،
اي مع ظهور الفلسفة المثالية الحديثة، لتبقى مقولة ماركس حول ثنائية
البنية الفوقية والتحتية محركاً كبيراً لجزء كبير من آليات تطبيقها
مثلما فعلت البنيوية حينما أعتمدت تلك الثنائية، وعلى حد قول "لوفيفر"
فأن تفكير ماركس ما بين عام 1840- 1845 يخرج لنا بمفهوم الحداثة، وهو
مفهوم سياسي بشكل أساسي، ولكن ليس سياسيا فحسب، بل أنه يحدد شكلاً
للدولة، كدولة موضوعة فيما فوق المجتمع، وكذلك مخططا للعلاقة بين شكل
الدولة هذا وبين الحياة اليومية والممارسة الاجتماعية بشكل عام. ويتحدد
هنا شكل الدولة باعتباره جهازاً يفصل بين الحياة اليومية (الحياة
الخاصة) وبين الحياة الاجتماعية والسياسية، وبهذا عددت حداثة ماركس من
خلال مفهوم الدولة وعلاقتها بالفرد(1).
في ضوء هذا المفهوم نجد ان معترك الحداثة يبدأ من هذا التاريخ لتدخل
مرحلة التجديد المجالات كافة، إذ لا يمكن فصل احدهما عن الآخر، بل أنها
تسير بوتيرة واحدة لتكون مفهوماً يتأسس على ذلك الإرث الثقافي والحضاري
لإنتاج تغيرات جوهرية في حياة الفرد وبنيته الاجتماعية حتى تتعدد بعدها
الحداثات او لحظاتها داخل الحداثة الواحدة فكانت حداثة باريس ولندن
وغيرها. ومما لا شك فيه ان الأدب والفن هما الجنسان المعبران عن طبيعة
التحولات، لذا فأن نص "بودلير" الموسوم (رسام الحياة الحديثة) يمثل
فقرة هامة في التاريخ الذي نستحضره هنا، بوصفه أحد الشعراء الحداثويين
في فرنسا وقائد المذهب الرومانسي وصديقه الرسام "ديلاكروا" هكذا هو
يمضي، يعدو، ويبحث هذا المتوحد ذو المخيلة الحادة، المسافر عبر الصحراء
الكبيرة، يعرف له هدفاً أسمى مما يصبو إليه الجوال العادي، هدف أسمى
من اللذة الهاربة التي يوفرها ظرف معين، إنه يبحث عن ذلك الشيء الذي
ستجوز لنا تسميته "بالحداثة"(2). بمعنى ان الهزات الحضارية التي تحدث
بصورة منتظمة في تاريخ الفن والادب والفكر هي أقرب ما تكون الى الهزات
الزلزالية التي يمكن تقسيمها الى ثلاثة أنواع، الاول هو ما يمكن تسميته
بالهزات البسيطة التي تتعلق بالموضة او التعليقة، والتي غالبا ما تأتي
بها الأجيال المتعاقبة، تستمر هذه التقليعة مدة لا تزيد عن عشر سنوات،
والنوع الثاني هو ما يمكن وصفه بالازاحات الكبيرة التي تمتاز بالتحولات
العميقة والواسعة التي تخلفها وراءها، وغالباً ما يستمر تأثيرها مدة
طويلة تقاس بالقرون، والنوع الثالث هو ذلك النوع المدمر الكاسح الذي
يقوض مساحات واسعة من البناء الحضاري والفكري ويتركها أكواما من
الأنقاض، التي نعلل النفس بوصفها "الإطلال النبيلة" وهناك حقيقة لا
يمكن التغاضي عنها وهي ان القرن العشرين جاء بنوع جديد من الفن نستطيع
ان نضعه في خانة الهزات الكاسحة او ربما هو هزة كاسحة بحد ذاته(3).
وبما ان الفن والادب نتاج اجتماعي يعكس طبيعة المرحلة ويستلهم طروحاتها
الفكرية، فأن طرائقه التعبيرية أصبحت حداثية وابتعدت عن الأساليب
السابقة، تلك المذاهب او المدارس التي ظهرت بشكل متقارب منذ نهايات
القرن التاسع عشر وحتى النصف الاول من القرن العشرين أصبحت تمتلك
ملامحها الخاصة منطلقة من فعل الذات التي كانت مهمشة ومقصية، حيث تحمل
بذرة الهدم بداخلها من أجل البناء على أنقاض المقوض للحصول على خصائص
جديدة لتيار قادم. فالحداثة كما يصفها "المسدي" بأنها مقولة: والمقولات
تصنيفات تستقر في الذهن يستخدمها العقل في سعيه الادراكي لحقائق
الاشياء والوقائع والظواهر(4). إذ ان الثورة الروسية 1905 وثورة اكتوبر
1917 أصبحتا من أهم معالم الحداثة وبدأت حدودها الفاصلة تنبعث من بين
ضبابات التاريخ، بحيث كان بأمكاننا ان نراها وهي تفد إلينا وتتجه
نحونا، لقد كانت تخرج من اوربا مثقلة ببضعة سنوات من التقدم، وشيء من
جذل الوجود البرجوازي، أي ان عام 1905 كان عام تحول، ثم توالت
الاختراعات العلمية بعده.
وعلى الرغم من عدم وضوح كلمة الحداثة وما تعنيه، إلا ان عملها في مفاصل
الحياة كان واضحاً من خلال التطورات الشمولية، وهناك شبه اتفاق على
معناها، ولو ان الآراء تضاربت حول تفاصيله وطبيعته. لقد استقر النقد في
بعض جوانب الحداثة، إذ نقرأ عبارات مثل: (الحركة الحديثة، التراث
الحديث، القرن الحديث، المزاج الحديث) ثم.. "الحداثة" التي نذكرها
الان، كما نذكر "عصر النهضة" او "عصر التنوير"، بمعنى أنها أصبحت تحقيب
زمني لعدد من الفعاليات والتبدلات الجوهرية في الحياة وما يعاب على
تسمية "الحداثة" هو أنها تحدد سلفاً ما يجب ان تتخذه من مواقف ووجهات
نظر إزاءها. ان الحداثة اذا كانت متطرفة فأنها تحمل بذرة فناءها معها،
وهو ما تحقق فعلا لتياراتها بسبب المتغيرات الاجتماعية والاكتشافات
العلمية وسيرورة التطور التأريخي، على الرغم من تداخل حقبها الزمنية.
من هذا نجد ان اسم الحداثة أصبح واضحاً، أما طبيعتها ومكان نشوئها
والاسباب التي كانت وراء ظهورها وماهيتها، فأنها أمور ظلت غامضة بعض
الشيء، وكذلك الحال بالنسبة لخصائصها الاسلوبية، إذ إمتازت بعض الاجناس
الادبية بتعدد أساليبها المشوشة، مما يجعل إضفاء صفة واحدة شاملة عليها
أمراً صعباً، بل مستحيلاً، فقد أستعملت كلمة "الحداثة" مرادفاً
للرومانسية وأستعملت في وصف الأجواء العامة للادب الاوربي في القرن
العشرين، واستعملت من جانب آخر في وصف حركة جارفة معينة غطت الحضارة
الاوربية(5).
لنقل منذ الآن، ما هي الحداثة؟ حداثتنا نحن، إنها ليست شكلاً مستساغاً
بكامله في الحياة والوعي، وأن شكل الوعي الذي توفره يتمتع من الأيهامات
بقدر ما تتمتع به أشكال الوعي وحياة معاصرة لا تزعم انها "حديثة" بل
تعتبر نفسها تقليدية متمسكة بالموروث، او حتى مبتذلة، برجوازية، او
برجوازية صغيرة. هل سيكون من الممكن تعريف هذه الحداثة "كبنية" او
كدليل الى بنية؟ وهل هي ساعية الى حالة من التوازن ستعمل على تحديدها؟
كلا. فقد أبان التحليل وسيظل يبين عن تناقضات عميقة جائلة فيها، وتبحث
حقبتنا في الواقع عن سبل لايجاد توازن والتحام نهائيين من حول مفهومين
سوسيو- سياسيين، وبرامج فعل ممركزة حول هذين المفهومين، غير أنها لا
تتوصل الى ذلك. هذان المفهومان هما مفهوم الطبقة ومفهوم الامة، كما لا
يمكن تعريف الحداثة كفكرة او كافق لآفاق تكشف عن نفسها تدريجياً، إذ من
شأن تعريف كهذا ان يخلط بين العالمية والحداثة، الحديث هو العالمي في
طور تحققه، العالمي الذي نفاجئه في اللحظة التي يتجلى فيها ويعلن عن
نفسه كأفق (او كأفق آفاق محدودة) ولكن محاولة تعريف كهذه تغامر هي
الأخرى بتعريف مصطلح مبهم هو (الحديث) بواسطة مصطلح آخر أكثر إبهاماً
ومحمل بإيماءات متناقضة أيضا، ذلك هو العالم. ومن الممكن ان نتلمس
تسمية للحداثة عبر اشتغالها في ثقافة ما او من خلال التركيبة
الاجتماعية، ولا يمكن ان ننعت تطورات العالم المختلفة بالحداثة الواحدة
من خلال ردود الافعال المختلفة، وحتى تكتمل الصورة، ونعني الربط بين
الحداثة وردود الفعل المختلفة لتجلياتها من ناحية وبين التركيبة الخاصة
بثقافة ما من ناحية ثانية، فأننا بحاجة الى وقفة قصيرة مع الاتجاه
الفرنسي وثقافته الخاصة لتوكيد المقولة الأساسية، وهي ان التركيبة
الثقافية التي تدخلت في تكوينها الدراسات والمذاهب الفلسفية الغربية
منذ القرن السابع عشر حتى الآن هي التي تولد حداثة خاصة بها، وتفسر
ايضا ردود الفعل التي تثيرها تلك الحداثة، ثم أنها بالطبع تفسر
التعديلات المختلفة التي تدخلها كل ثقافة على نسختها من الحداثة حسب
تعبير "عبدالعزيز حمودة"(6).
أما النقاد الماركسيون مثل (لوكاش) فيعدونها نوعاً من البرجوازية
الجمالية المتأخرة النابعة من الواقعية، ويحاول بعض علماء الاجتماع
تعريفها -أي الحداثة- على نحو اكثر ايجابية من خلال مبدأ "الحركية"
حركية التقنية، والحركية الاجتماعية، والعلاقات بين الافراد، وبين
المواضع والعمل بما تشهده هذه العلاقات من انقلابات دائمة، والحركية
الثقافية هضم المتغيرات الجديدة في المعرفة والممارسة، والحركية
الاخلاقية وهي الالتزام بنوع من الليونة في النشاطات والعلائق بين
الافراد والتكيف المتجدد وقد اصبح ضرورياً بفعل عوامل التغيير. من كل
ما تقدم نخلص الى ان الحداثة نزعة ترمي الى التجديد ودراسة النفس
الانسانية من الداخل، اي فعل الذات معتمدة بذلك على وسائل فنية جديدة.
وفي حقيقة الأمر ان أغلب الحركات الفنية جاءت بما هو جديد، فأمامنا
الثورة على ما هو مألوف في الرسم والموسيقى والشعر وتداعي الافكار في
الرواية، وان هذه الاتجاهات الفنية تتضمن تحطيم كل ما هو إنساني، إنه
هدم تقدمي لكل القيم الانسانية التي كانت سائدة في الادب الرومانسي
والطبيعي. لقد بدأت الحداثة من حيث انتهت الرومانسية واهتمت الأخيرة
بالتجديد الجذري والتجريبية في المضامين الجمالية والأسلوبية، إلا ان
الحداثة أخذت تعاني من أزمة حضارية كبيرة بعيدة عن المشاكل المتأتية من
حالة التعامل مع الاسطورة والبناء والتنظيم(7).
وقد يشير بعض دارسي الحداثة الى إنها تحتوي قيمتين متعادلتين هما:
الأخلاقية والجمالية، الاولى ظهرت في ميادين علم السياسة والاجتماع
والميادين الطبيعية الاخرى، والجمالية نشأت في جوانب الادب والفن،
وتعني الاخلاقية شفافية العلاقات الاجتماعية وإقرار الجماعات والافراد
بعضهم للبعض الآخر والقبول بعلاقات متبادلة مدركة كما هي وبما هي. أما
الجمالية فهي التلذذ المكثف وغير المحدود بالخبرات ومجال الرغبات،
التلذذ بالعالم كما يصوره الفن، والذي سيشهد إنصهاراً بين الفن وحياة
يومية تم تحويلها تحويلا جذرياً، وان المشروع الماركسي الاولي كان يذهب
أبعد من أرضاء الحاجات المتعددة وأبعد من الاستمتاع بالمنتجات غير
المحدودة، أي أبعد من (مجتمع الإستهلاك) وقد فرضت الحداثة نفسها على
الادب المعاصر وهذا أمر يمكن ملاحظته بيسر وتتضمن هذه الكلمة الآن
مضامين عدة جاء بعضها من بروز ظاهرة علم الجمال الواعي، الذي أنتج
أدباً غير واقعي وخاليا من المضامين الإنسانية، وهو يركز على القضايا
الاسلوبية والتقنية والشكلية هادفاً من وراء ذلك النفاذ الى اعماق
الحياة إنطلاقاً من مقولة "نيتشة" (على الفنان الأيجابي الواقع) بمعنى
ان مهمة الفن تجاوز ما هو تقليدي ومتفق عليه، او مقولة "ماركس"
(الانسان هو ما يتجاوز).
ان الفترة الزمنية التي ظهرت فيها الحداثة وأمتدت لعقود وتداخل المناهج
والتيارات فيها جعلها تجترح تسميات عدة، ومن أكثرها تطرفاً تلك التي
جاءت بها البنيوية والتي تشكل حداثة لغوية بدءاً من شتراوس وانتهاءً
بالتفكيكية توضح بأن فكرة المضمون في الادب أما أنها عديمة المعنى او
علامة عن كتابة رديئة، وغالباً ما يسير الرأيان معاً دونما فرز واضح
بينهما، أولهما الموقف المتشدد الذي يرى ان المضمون كلام نظري فارغ،
وأما الموقف اللين الذي يتضح على أحسن وجه في كتاب "اوتيغا" (تجريد
الفن من صفاته الانسانية) ليؤكد على الرغم من ان الادب الرديء يعني
بمضامينه الانسانية، إلا ان العصر الحديث معني بشيء آخر هو خلق
(الاسلوب) او معني (بماهية الكتابة)(8). لذا فأن الحداثة في أدب وفن
القرن العشرين بدأت ملامحها تتبين منذ اهتمامها بالشكل وتحديثه وتخليصه
من تبعية المضامين وهو ما تلتقي به مع النزعات الشكلية في الفن، وقد
تأخذ الحداثة المتشددة عند (رولان بارت) أنموذجا مقترحاً مضاداً
للنموذج المعتاد عن الشكل والمضمون، إذ يقول إذا كنا حتى هذه اللحظة قد
اعتبرنا النص على انه نوع من الفاكهة ذات نواة (كالمشمش مثلا) وأن
اللب يمثل الشكل والنواة هي المضمون، فأن من المستحسن ان ننظر اليه كما
ننظر الى البصل تركيب من الطبقات او المستويات او الانساق التي لايحتوي
كيانها على قلب ولا نواة ولا مبدأ قابل للتحديد، لاشيء سوى عدد لانهائي
من الأغشية الخاصة به التي لا تغطي أي شيء آخر عدا مجموع مظاهره
الخارجية، وهو ما يلتقي مع طروحات (جوليا كريستيفا) حول النص الابداعي
بوصفه إمتصاصاً لنصوص متعددة وطبقات متراصة من المعاني والمضامين تكون
(فسيفساء النص). من هنا نجد ان فكر الحداثة أختزل الكثير من مراحل
الإبداع ومتجهاته وكثير من الاساليب التقليدية محققاً بذلك انعطافات
وإزاحات على كل المستويات العلمية والإبداعية بدءاً من خلق اللغة التي
يصفها (بارت) بأنها سجن الكاتب مروراً بمقولة (موت المؤلف) وإنتهاءً
بانتماء ذهنية الحداثة واقترابها من المنعطف العلمي الموضوعي وسيلة
للوصول الى المعطيات النصية الموضوعية والجمالية في الوقت الذي تسللت
فيه ظواهر كثيرة تنتمي الى حقل العلم التجريبي والعلوم الصرفة الى حقل
التجارب الأدبية والمعرفية على وفق منطق علمي يتفحص المنجز ويصل الى
بواطنه عبر الاختبار وليس عبر التصورات المثالية القائمة على التذوق
والانطباع والتقديرات الذاتية.
المصادر:
ـــــــــــــــــ
1-لوفيفر، هنري: ما الحداثة، ترجمة كاظم جهاد، دار بن رشد للطباعة
والنشر، بيروت، 1983، ص17.
2-المصدر السابق نفسه، ص17
3-براد بري، ما لكم، وجيمس ماكفارلن: الحداثة، ت مؤيد حسن، دار المأمون
للترجمة والنشر، بغداد، 1987، ص19.
4-المسّدي، عبدالسلام، النقد والحداثة، دار الطليعة للطباعة والنشر،
بيروت، ط1، 1983، ص7.
5- براد بري، مالكم، المصدر السابق، ص23.
6-حمودة، عبدالعزيز: المرايا المحدبة، من البنيوية الى التفكيك، سلسلة
عالم المعرفة، الكويت، 1998، ص81.
7-براد بري، مالكم: المصدر السابق، ص26.
8-ثرلي، جيفري: الحداثة المضادة، مجلة آفاق عربية، ع10، 1991، ص62.
تتمة المادة على ص3
عمل الحداثة كان واضحا من خلال التطورات الحياتية
******
نانة التشكيلية (أريج المنصوري)
بين التراث.. والمعاصرة
عبدالرضا جبارة
ترتبط تجربة الفنانة التشكيلية (أريج المنصوري) بالفن العراقي المعاصر
ارتباطاً وثيقاً وبتطورات مدركاتها الحسية الجمالية منذ تخرجها وبتفوق
كبير من معهد.. وكلية الفنون الجميلة ببغداد للعام الدراسي 1997/1998
فقد حققت عبر معارضها الثلاث الماضية تعددية تعبيرية لكل القيم
الجمالية في تجربتها الإبداعية وسعت لتأسيس شكل من إشكال الانعتاق
الفني وتكوين رديف تعبيري ينتمي في أصوله التشكيلية الى منظومة القيم
الفكرية والإبداعية في حركة الفن الحديث، فهي تتوزع فيما بين الكولاج..
والتجريدية التعبيرية والتي دأبت هذه الفنانة على إبراز ملامحها
الفنية في معظم لوحاتها وبمنظور إسلامي عربي أصيل تؤكد فيه على العديد
من العناصر التقنية التي ترتبط بتجربة الفن المعاصر في العراق.
ان مثل هذا الاستنتاج الاولي يحيلنا قطعاً الى أهمية المفردات التي
اعتمدتها (أريج المنصوري) في رؤيتها الفنية لأنها تنتمي الى نفس
الاتجاه الذي بدأه والدها الفنان (غالب المنصوري) بشكل خاص. وهذا ما لا
تخفيه أريج عند اجراء كل الحوارات الثقافية معها. ولكن هذا لا يعني
بالضرورة أيضاً إنها لم تجد.. وتبحث عن الخروج بتجربة خاصة متفردة،
لتبرهن على اصالتها من خلال التعامل مع محوري "التراث والمعاصرة"
للوصول الى آفاق واسعة أخرى فهي تستمد موضوعاتها من خلال معايناتها
الحسية للأشياء والتي تفرغ فيها مقترباتها المكانية بكل امتلاء جمالي
ورحابة لونية وقد شكلت هذه المعاينات ولعاً عندها وذلك باستثمار
"اللاشكلية" دون الوقوع في فخ التجريدية الهندسية لكتلوية الاشكال
والتي حاولت الفنانة جاهدة بإقصائها (تشتيتها) والاحتفاظ بالملامح
الخاصة فقط للمنظور التجريدي لتتيح للمتلقي مزيداً من الاستغراق داخل
عوالم اللوحة لتبدو عبارة عن إيماءة توحي بالخفاء والسرية لتحقيق سحرية
بصرية على كل أعمالها الحالية وهذا ما جعل هذه الأعمال اقرب الى الشعر
والموسيقى على وفق تقنية عالية حتى غدت المضامين فيها مثل الاحلام
تتراءى برهافة وشفافية لدرجة ان الموضوعات لم تكن حادةً في مواجهة
الخيال رغم اسلوبية بعض البناء الهندسي، لذلك كانت بعض اعمالها مثل
"سلم الذاكرة" و"سموات باذخة" و"فراغ مشرع" تنطبق على مسمياتها
التجريدية بتموسق رائع وموفق جداً. والمتأمل لمعارضها الأخيرة يستشف ان
التجربة الجمالية هي التي تحدد المكان. وهذه بتقديري. ميزة فنية أخرى
تضاف الى مزايا الابداع التي سجلت من خلالها الفنانة المبدعة (مغايرة
جوهرية). فالإنسان داخل المكان جزءاً من الأبعاد ذاتها او بالاحرى أنه
يقف عليها وعندها. وكذلك فهو يعاني إحساسا داخلياً ومركزياً. من خلال
التوظيف المكاني والزماني الذي تحقق من دون المنظور المباشر او لأقل
المنظور المشروط او ما قبل المنظور. أي ان أريج المنصوري ترسم وبناء
على هذه المنطلقات الفنية. وفق أسلوب جديد. ومبتكر استمدته من خلال
تأملها الصارم والشديد لإيقاع الحياة والتجربة الكونية الطويلة. ويبدو
انها لا تريد ان ترسم وتؤدي أعمالها بالطريقة التقليدية أي بأستخدام
الفرشاة والالوان الزيتية، على الرغم من أنها تمتلك مواهب فذة في الرسم
التقليدي، أما أعمالها التي نفذتها بطريقة "اللصق والكولاج" فأن
العلاقة الهندسية فيها تتواشج عضوياً مع التكوين الكتلوي لبقية
الاجزاء. وقد أسهم اللون الذي اختارته في تجسيد رؤيتها الفنية، سواء في
الولوج الى الفراغات او في تحقيق أبعاد مكانية. زاخرة بالرؤى. وهناك
جانب آخر أود ان أشير إليه في تجربتها فعبر (حسيتها باللامرئي) حققت
اتصالاً روحياً مع الفكرة التشكيلية نفسها والتي استخلصتها –تجريدياً-
من معرفة الاشكال والاشياء فالعديد من اعمالها الاخيرة تمثل عملية
الاختزال الذي عرفت به وخاصة في معرضها الاخير.. في دمشق، فهي في بحث
دائم عن قيم الشكل وصياغات اللون الذي يوحي عبر أيجازه المشحون بحركة
وايقاع العالم المحتدمة. ولعل السبب الذي يحقق استشرافها بوعي جمالي هو
قوتها وقدرتها على الاقتصاد في تكويناته بطريقة بارعة مستفيدة من
البراعة الواقعية في الرسم. ان الفنانة اريج المنصوري في اسلوبها هذا
والمشيد وسط اجتهادات كثيرة وهائلة للحركة التشكيلية العراقية فأنها
ترسخ المزيد من القيم لصالح تجربتها الابداعية التي تهدف الى بلورة
اسلوب يحمل روح المعاصرة وخاصة فيما يتعلق بعنايتها بالجوانب الزخرفية
والوحدات الاخرى المستمدة من النقش العربي وفن التصحيف وتحوير الاشكال
لإفراغها من تشخيصتها متأثرة جبريا بإنتاج فنان الرافدين القديم
(السومري والبابلي) فلا يسعنا الا الانتظار لكثير من العطاء لهذه
الفنانة الواعدة.
*********
“نجيب محفوظ" في السينما .. الابداع في مواجهة مراكز السلطة
أمين قاسم خليل
لم يحظ الأدب الروائي العربي، وربما حتى العالمي، باهتمام مماثل، لذلك
الذي حظي به، نتاج " نجيب محفوظ "، من صناع السينما: (مخرجين، منتجين،
كتاب سيناريو، مؤسسات رسمية..) فقد بقي المبدع الكبير، الأول بامتياز
دائما، ضمن دائرة الاهتمام السينمائي، في مصر، وعلى أكثر من مستوى.
ويمكن تحديد ذلك، باتجاهين رئيسيين. أولهما، إسهامه في كتابة
العديد من سيناريوهات الأفلام، المعدة عن أعماله، وثانيهما تحويل عدد
كبير من أعماله إلى أفلام سينمائية على يد كتاب سيناريو محترفين،
أبرزهم (ممدوح الليثي). أضف إلى ذلك أن " محفوظ " يمتلك حرفيات عالية
اكتسبها من المشاركة في كتابة عدد غير قليل من الأفلام الهامة ، لم تكن
معدة عن احد أعماله.
وفي هذا الاتجاه يشترك "نجيب محفوظ" مع روائي عالمي آخر معروف هو
"مارسيل كارسيا ماركيز" الروائي الكولومبي، الذي بدا حياته العملية،
بعد مغادرته بلاده مضطرا، بممارسة كتابة السيناريو السينمائي أثناء
إقامته الطويلة في "روما" واندماجه في الوسط السينمائي الايطالي. لكن
ما يميز "نجيب محفوظ" حقا، هو انه عندما مارس كتابة السيناريو، كان قد
تمكن من أداوته في كتابة الرواية والقصة القصيرة، واحتل موقعه المعروف
في عالم الرواية العربية، أي أن "ماركيز" وظف خبرته في كتابة السيناريو
السينمائي، في اغناء تجربته الروائية، في حين كان الأمر بالنسبة لـ
"محفوظ " على العكس.
وإذا يحاول المرء، تحريض ذاكرته، على حصر الأفلام التي أعدت عن
أعمال "نجيب محفوظ" الروائية والقصصية، فلا يسعه إلا القول، أن الذاكرة
وحدها غير قادرة على ذلك، ما لم تستخدم المصادر الأرشيفية، ولكننا مع
ذلك يمكن أن نشير إلى ابرز هذه الأفلام " (درب المهابيل، القاهرة 30،
الثلاثية، اللص والكلاب، الشحات، السمان والخريف، المراياً، ميرامار،
الكرنك، الحرافيش في (بعض أجزائها). وقد تناوب على إخراج هذه الافلام،
مخرجون، من تيارات فنية وفكرية متنوعة، وبمستويات فنية متفاوتة. لكن ما
يجمعها كلها، هو الاهتمام الذي أولاه لها كل من النقاد وجمهور
المشاهدين والمفارقة اللافتة هنا، أن "نجيب محفوظ" نفسه كان دائما يرفض
التعليق على أي فلم معد عن احد أعماله، معتذرا (بان بصره لا يسعفه في
المشاهدة السينمائية، وان الفلم السينمائي أولاً و أخيراً هو فن آخر،
غير الرواية والقصة المكتوبة....).
لكن الاستثناء الوحيد لهذه المفارقة ، هو فلم (الكرنك)، الذي أخرجه
"علي بدر خان" وعرض في العام 1975 ولهذا الاستثناء حكاية سنعود إليها
فيما بعد، باعتبار أن الفلم يشكل النموذج الثاني للمواجهة مع مراكز
السلطة، بحكم الفارق الزمني، بين هذا الفلم، والفلم الأول الذي شكل
المواجهة الأولى مع تلك المراكز، وفي مرحلة سياسية مختلفة تماما، واعني
بذلك الفلم المعد عن رواية "محفوظ" الشهيرة جدا والمهمة جدا "ميرامار"
والذي عرض بنفس الاسم أواخر الستينيات. “ميرامار" .. والمواجهة
الثلاثية:
هذا الفلم ، يكتسب أهميته، من أهمية الرواية نفسها، والتي تنبأت
بموت الثورة، أو عجزها عن الاستمرار، لأنها كانت تحمل بذور ذلك العجز
في أدواتها السياسية وأجهزتها التنفيذية فكان طبيعيا أن تلفت الأنظار،
عند صدورها كرواية مطبوعة، وان يحظى الفلم المعد عنها، باهتمام اكبر،
لأنه يصل إلى ملايين الناس، عبر دور العرض، وشاشات التلفاز. لذلك وجدت
الأجهزة الأمنية كالعادة، في الفلم (مادة مشاكسة ومثيرة للجدل). لكنها
لم تتحرك بشكل مباشر، بل جاء ذلك من خلال احد مسؤولي وزارة الثقافة
(حسن عبد المنعم) الذي اعترض على الفلم ، عبر (جهاز الرقابة) المتخصص
بالمصنفات الفنية. لاسيما وان الذاكرة الأمنية، كانت ما زالت تحتفظ
بآثار الجدل الذي صاحب ظهور (أولاد حارتنا).
وعلى ذلك فقد كان الهاجس (الأمني) واضحا في موقف الرقابة، لكن ما
يثير الدهشة هنا، هو أن رأس السلطة السياسية ممثلا في شخص الرئيس
الراحل (جمال عبد الناصر)، لم يصدر عنه ما يوحي أو يشير للاعتراض أو
التحفظ على الفلم، عندما شاهده في عرض خاص، على حد رواية الكاتب الصحفي
(علي أبو شادي)!؟. ولعلنا لانجانب الدقة، إذا قلنا في هذا السياق، أن
القيادة السياسية العليا في مصر الناصرية كانت تتعامل مع "نجيب محفوظ"
بقدر كبير من التقدير والاحترام، حتى أن الرئيس الراحل "عبد الناصر"
نفسه، سال الأديب الكبير أثناء لقائهما عند افتتاح مبنى "الأهرام"
الجديد أوائل عام 1970 وعلى مسمع من كبار كتاب ومثقفي مصر، عن (سبب
تأخره في إصدار عمل جديد؟)، بعدما بادره بتحية خاصة: (أزيك؟ وازي ناسك
في الحسين؟) كما ينقل الروائي المعروف "يوسف القعيد" الذي يعلق قائلا:
(أن أي أديب مصري، لم يحظ من الرئيس عبد الناصر بما حظي به نجيب
محفوظ)؟! أضف إلى ذلك ما كان يحمله تساؤل الرئيس، عن جديد المبدع
الكبير، من دلالة، هي انه كان يتابع أعماله أولاً بأول، حتى أواخر
أيامه، الأمر الذي يؤشر ازدواجية التعامل مع الإبداع، على المستويات
السياسية، من جهة، والأمنية والتنفيذية، من جهة أخرى خلال تلك الحقبة
بالذات، من تاريخ مصر، والتي شهدت تحولات هامة في الحياة الثقافية، على
كافة المستويات (النشاط الخاص والمؤسسات).
”الكرنك" ..
وحكاية الشهيد الشيوعي
هذه الرواية الشهيرة، على صغر حجمها، كانت كبيرة بدلالاتها السياسية
والفكرية، وحظيت باهتمام اكبر بعد تحويلها إلى فلم سينمائي، في مصر وفي
العالم العربي، خلال العام 1975، أي خلال الحقبة الساداتية. الدلالات
التي تقاربها الرواية، ومن ثم الفلم السينمائي الذي أعدَّ عنها، برزت
في اتجاهين. الأول، أنها تتوغل داخل أقبية التعذيب المخابراتية، لتروي
وحشية الممارسات الدموية للأجهزة الأمنية خلال فترة معينة من الحقبة
الناصرية، ضد فصائل اليسار المصري، والشيوعيين بوجه خاص، رغم أنهم
كانوا يمثلون حليفا طبيعيا للثورة وتحولاتها، التي دافعوا عنها، حتى
وهم قابعون في سجون سلطة الثورة، هذا ما أكده المفكر المصري الكبير
(محمود أمين العالم) في لقاء تلفزيوني مطول مؤخراً. وهذا هو الاتجاه
الثاني الذي أراد "محفوظ" ومن ثم سيناريو الفلم الذي كتبه (ممدوح
الليثي) إيصاله إلى المتلقي، الذي لم يجد صعوبة في اكتشاف ذلك التناقض
الصارخ بين الثورة وحلفائها الطبيعيين من جهة، والأدوات والأجهزة
السياسية والتنفيذية التي اعتمدت للتعبير عنها. وهو ما عبر عنه بعض
مثقفي اليسار المصري بـ (محاولة بناء الاشتراكية بدون اشتراكيين).
وعلى ذلك، فقد جاء تحويل الرواية إلى فلم سينمائي يحظى بملايين
المشاهدين، بحد ذاته تحديا لقوى وتيارات سياسية واجتماعية متعددة،
حاولت الحيلولة دون وصول الفلم إلى دور العرض، رغم أن الرئيس (السادات)
نفسه شاهد الفلم ولم يظهر أي اعتراض أو تحفظ على عرض الفلم جماهيريا،
محاولا بذلك إظهار الحرص على حرية التعبير! لكنه من جهة أخرى وجد في
الفلم فرصة لإدانة الحقبة الناصرية ، التي انقلب عليها، والتظاهر
بالحرص على (سيادة القانون) التي تحدث عنها كثيرا للاستهلاك المحلي،
بدون مضمون حقيقي في التطبيق.
ومما له دلالته هنا، أن منع عرض الفلم، كان بقرار من وزير الثقافة
آنذاك (يوسف السباعي)، الكاتب الروائي المعروف!؟ مبررا المنع، بذريعة
غريبة من نوعها، بعد عرض خاص، حضره برفقة " نجيب محفوظ " نفسه، وكان
(ممدوح الليثي) قد هيأه لتسهيل عملية إجازة عرض الفلم.
ذريعة (السباعي) كانت بالتحديد (أن الفلم يظهر الشيوعي كشهيد نضال
سياسي)!؟.
ومما يرويه ( يوسف القعيد) في هذا الصدد، أن السباعي غادر العرض
قبل نهايته، وأدار ظهره لرفيقيه بفظاظة، دون أن يضع في اعتباره وجود
"نجيب محفوظ" إلى جانبه. الأمر الذي دعا (ممدوح الليثي) إلى تدبير عرض
خاص للفيلم في مبنى (مباحث امن الدولة) بحضور رئيس الوزراء (ممدوح
سالم) الذي كان في فترة ما من الحقبة الناصرية مسؤولا لأمن الدولة،
ووزيرا للداخلية، وقد كان تعليقه بعد الانتهاء من مشاهدة الفلم: (أن
وقائع التعذيب التي ظهرت في الفلم، اقل بكثير مما كانت في الواقع)، وهي
شهادة لها دلالتها. وبذلك تم الإفراج عن الفلم، ليصل إلى دور العرض،
ويشاهده الملايين، التي كانت تعرف أن بطل الرواية، والفلم الحقيقي هو
القائد الشيوعي البارز (شهدي عطية الشافعي .
ومما يرويه (يوسف القعيد) بهذا الصدد أن "نجيب محفوظ"، في "الكرنك"
استوحي شخصية رجل المخابرات، من شخصية (صلاح نصر) مدير المخابرات الذي
استدرجه أواخر الستينيات إلى مبنى المخابرات، بشان (أولاد حارتنا).
وكانت حادثة (مقتل حمزة البسيوني) ضابط المخابرات السابق بطريقة غامضة،
هي التي أوحت إلى "محفوظ " بان يستوحي ما كتبه عن الشخصية المخابراتية.
إذ كان (البسيوني)، يتردد على مقهى (عرابي) ويثير الذعر، لدى رواد
المقهى بحضوره . هذا ما رواه (القعيد) وآخرون، من أصدقاء "نجيب محفوظ".
لكن ما لم يخطر ببال المبدع الكبير آنذاك أن ضابط المخابرات الذي كان
يثير الذعر، حتى لدى رواد المقهى العاديين، من الناس البسطاء، الذين
يغادرون المقهى فور دخوله، سيترك أشكالا أخرى من المخاوف والهواجس لدى
المبدعين والمثقفين، والفنانين، مما يمكن أن يطالهم فجأة، لمجرد أن
يخطئ الواحد منهم في حسابه، ويخرج على ممنوعات ومحرمات السلطة الجديدة
التي ظهرت أواسط السبعينيات، (سلطة الشارع السرية)!.
*************
فصول مخفيّة عن حياة أمريء القيس
ياسين طه حافظ
امرؤ القيس يخلع قبعةً ولفافاً من الفرو
يلقيهما ضجراً من اقاويل تلَفقَها
عن ابيه الصحف.
يتحسَس جَيْبَهُ يُفلسُ يوماً فيوماً،
يجر له مقعداً ، ويمدد رجليه على
مقعد آخريستريح
يتراخى ويسند رأسه منكسرا للجدارْ
ويحدق في السقف ، يُحدقُ ، عيناهُ
مشدودتان الى "يذبُلِ" .
يتذكر سرب أباعرِهِِ وتسلط َ خيمتِهِ
ونزول َ السراةِ الى ناره...،
فيقربَ مِدْفأةً، ثم يفرك جبهتَهُ:
"كم أضاع من العمر في مَهْمَهٍ فارغٍ!"
شغلته هواجسُه وتربّصُ محترفين بهِ،
فإذا ما استفاق َ، رأى دودةً
أكلَتْ ساقَ مقعدِهِ.
لم يصدق خساراته
خاف من غيمةٍ في السماء تلاحقُهُ،
من زمانٍ، فغيب َوجهَهُ بحزمِ أمتعةً للسَفَرْ.
تاركاً مجدَه ودماءَ أبيه التي يَبِسَتْ
وبُلَهْنَيةً سئِمَتْ بَعْلَها (ثم هل سَئِمَتْهُ
لتترك شقاً له في الفراشِ ، وشِقاً
لطفلٍ تقول ألحَ ولم يُمْهِلِ ؟)
هذه صالة ُ العرضِ؟ هذا أكيدٌ . أرى
كلَ شيء ٍ . ولكن من هذه؟
أهي "فاطمُ"ترفع جوربَها
وتُغير مكياجها،
وأمام الجميع تعدِّلُ ستيانَها؟
أهي فاطمة تتعرى أمام الجميع ،
قطعةً
قطعة؟
وتَذَكرَ"سِقْطَ اللوى"والرياحَ تمرُ
ببطءٍ على "حوْمَل ِ"
والسحاب’
مظاهرة، تتفرقُ في فشلٍ مُخجِلِ
ونشيداً يجيء من السجن ليلاً..
تذكَّرَ : هذا المفوضُ تابعني ذلك اليوم
حتى وصلتُ الى البيتِ... شيءٌ مضى
موّهتْهُ الصباغ عن الأعين ، كلٌ مضى في طريق
والرفاق القدامى شغَلَتْهم جراحهم عن بقايا الحريقْ،
وهو مازال يبكي على "دارة الجلجلِِ"..
فجأة تلفح النار وجهه ، ينهض من فزع ٍ:
تلك خيمتهُ تحترقْ!
ويعود الى نفسه:أو لم يكُ يقرأُ
مثل الشيوخ القدامى النشيدْ؟
أو لم يحملوه ليهتف وسطَ عكاظٍ
ويشتم هذي "الجزيرة" ،أشياخَها والملوكَ و يدعو لجر الأفقْ!
أمرؤ القيس مشط لحيته بأصابعه
واستجار برأسِهِ يطلب أبياته الغائبة
ورأى ركبتيه تغوصان في الملح وسيفهُ
ماتَ عليهِ الصدأ
وهو يطرد عنهُ الذبابَ...حتى أستفاقَ
على نادلٍ
يترك في الصحن قائمة!
أمرؤ القيسِ مضطرب يقرأ الآن اوراقهُ
قال : ان كنت لاتستطيع مواجهة الغول....،
أما ارتحتَ في الظلِ وأنهيت في الرشفات الخصوم؟
حاصرته خساراته هو فرالى عالم آخر
تاركاً .زُمراً من مربي قنافذَ مُرتَزقينَ
ومحترفي خطبٍ وأراجيزَ وحيث أستدار
سعاة
"يا امرأ القيس لم تفهم المسألة
ما عرفت مؤامرةً تتعقب بدواً جياعاً
لتسرق نسغ َترابهمُ
وقوافل َتجمع أحداقهم وتبادلها ذهباً ورُخام..
أنت تعرف رملهُم والأباعرَ، بعضاً
من الترهات يكررها الساهرون على النار
في ظلمات الشتاءْ.
لستَ في صحوةٍ وعيونك في السكر تعشى
وتغيبك النشوات المُعارةُ عماّ وراء
طرائفهم من دماءْ
لامست وجهه’ لفحةٌ، فرأى
خيمةً تحترق
والزمان القديم تهاوى رماداً
وتاريخ كل السجون القديمة بِيعَ مزاداً....،
فغادرَ صالتهُ فزِعاً للعراءْ
أمرؤ القيس يبعثر افكاره
مثل من يتفحصها:
عالم اكلته القوارضُ
هل يستعيدُ هنا هيبةً سُرِقَتْ؟
هل يرى بارقاً خلف هذه الجبال يُشير لهُ؟
أيغامر ثانيةً في صراعٍ بلا طائلٍ أم يعود ْ؟
قال : أُطلِقُ ماظلَ من شررٍ في حوافرِهُِ
وأعانق تلك الوعود ْ.
ثم أخرج غليونَهُ مثل راعي بقرْ
وأستدارَ يُحدقُ في اُوجه متأمرةٍ
ومضى فوق أدهمِهِ
قابعاً بعباءتِهِ
يعبر الحدودْ...
هل عرفتَ الذي أنت فيهِ
وأي العوالم ضمت شتاتك بعد الرحيلْ؟
ملكٌ ضائعٌ،
نفَرٌ ضللتهُ الوعودْ
أنت ما بين أمرين يأتمران عليك:
أين عرش أبيك؟ وأين أمرؤ القيسِ؟
وهل غيرُ هذا الضجيج يضيّع روحكَ
والعلب الفارغات؟
جئت للروم كي تستحيل هنا هُزْأَةً؟
وتجالسَ من كنت تشتم ليل نهارْ؟
فلماذا اذا كل هذا الطريق الطويلِ
وموت الصحاب على الرملِ
تنفق افراسُهم في سَموم الصحار ؟
يا امرء القيس أبدلتَ روحكَ بعد المشيب
وما عرفتك الميادينُ بالمتبدلِ
سُحَّ دماً يا وريثاً مهاناً تخلف عن جحفلِ
فيا حزنَ اسلافك الغائبينَ
ويا وجعَ الخلف المقبلِ!
يدخل الصالةَ
هل عرفت الذي انت فيه
واي العوالم ضمت شتاتك بعد الرحيل ؟
ملك ضائعٌ،
نََفَرٌ ضللته الوعود
انت ما بين امرين ياتمران عليك :
اين عرش ابيك ؟واين امرؤ القيس؟
وهل غير هذا الضجيج يضيّعُ روحَكَ
والعلبَ الفارغات؟
جئت للروم كي تستحيل هنا هزأةً
وتجالسَ من كنت تشتم ليل نهار ؟
فلماذا اذن كل ذاك الطريق الطويل
وموت الصحاب على الرمل
تنفق افرائهم في سَموم الصحار؟
يا امرء القيس ابدلت روحك
بعد المشيب وما عرفتك الميادين بالمتبدل-
سحَّ دما يا وريثاً مهاناتخلف عن جحفلِ
فيا حزنَ اسلافك الغائبين
ألهذا أنتهيت؟
وياوجع الخَلَف ِ المقبل ِ!
يدخل الصالة ثانيةً
هل اضعت الطريق؟
إن عيني غائمتان ويدخل شيءٌ بشيءٍ،
وصوتٌ بصوتٍ،، وهذي صفوفٌ
من الجند واقفةٌ أم نؤىً وحجارْ؟
و"فاطم" تنضو لنومٍ ثياباً لدى الستْرِ؟
لا سِتْرَ هذا عراءٌ ولابقيتْ
لِبْسَةُ المُتَفضِلِ.. هل انا في يقظةٍ؟
هو لايتذكر ما كان ، لايعرف الآن ماذا يُريدُ،
ولكن جرحاً على يدِهِ يستدلُ به الحرَسُ الغاضبون
والسطور القديمةُ مثل الجراح يفكُ طلاسِمها
نَفَرٌ يقرؤن "صحيفة أعمالِهِ"
والوجوه حواليه صامتةٌ
ورماديةٌ
لا ترِفُ ولا تعرف الأبتسام
وهو منتظر حكمها يرتجفْ
يتذكر ذاك الذي كان يرفع لافتةً
يتذكره : أصفراً كان ذاك القميصْ،
يتذكره وهو يشتم هذي الجزيرةَ أشياخها والملوكْ
يتذكره بعد ان غاب تطفو على الماء جثتهُ أنا اعرفه’!
يابلاد الضحايا
إن هذا القميصَ المُعَصْفَرَ يطفو على الماءِ وردتُنا للأفقْ!
أبدل النادل قهوتهُ. جاءه رجل ، قال
"اني رأيتُ أمرء القيس سكران ينشد ُ
للروم .يعلق فوق الجدار معلقةً ثانية."
امرؤ القيس أسند جبهتهُ وتضاءل منطفئاً:
امس ضيع عرشَ أبيهْ
واليوم ضيع أشعاره
فهو ليس امرء القيس ولا ابنَ مليكٍ
و"قيدُ الأوابد" القى اللجامَ وافلتَ من زمن
فهو يأتي ويذهب في الباص ويشحذ خبزاً بباب الأذاعة .
او هو يرهن ذاكرةً وشروحاً لدى الناشرينَ
ليقرأها بعد حين فضائح َمضحكةً،
ثم يرجع للبيتِ يبكي على ما يكونْ
قال هذي وهذي وتلك...خرائطُ
تخفي مجازرَها . وانا قد رأيتُ بداياتها:
البنادقُ كانت مخزونةً في البيوتْ
وعيونهم تتحرى الأزقةَ والموتُ في الريحِ،
كل وحصتهُ.
من راح راح، واسماؤهم بقيت في الأضابير
اسماؤهم في الرياح
اسماؤهم في الزمان الكبير..
هو يمسح جبهتهُ، عرقٌ ام دمُ؟
ذاك وقع حوافر في السطح خلف الجدارِ،
أ" قيد الأوابد" ام حجرٌ يتدحرجُ، ام ذي
"مفارزُ" تدخل بين الموائد تقتادهُ؟
تصل آلان السيارةٌ. تتحرك. من سيغادرُ؟
من جاء؟ هذا كلام مملٌ
وهذي المشاهد تافهة تتكررُ. ماذا وراءك؟
انت تجوع وتهزل حتى تموت وتدفن في
تربة لاتريد عظامك. هلا فهمتْ؟
جئت للروم مستنجداً؟ لاعليك. استقرَ إذن.
سيظل يدور بك السُكرُ والروكُ وثأر
ابيك ودهر من الريح والرملِ
وجيلٌ وراءه جيلٌ وراءه جيلٌ
تساقطَ، مازال يسقط، من دائك المعضِلِِ
يتهرأ جلدُك من تلفٍ في النخاع،
وجوع يرمل الجزيرة يُهزلهم كالنعاج،ويحني الرؤوس الى نَفَلِ
فلقد ادمنوا الجدب عبر الزمان، وهم
ينشدون لُمعطيهم خبزةً وكاسيهم خرقاً
وجراءُ قصائدهم تتلمض راكضةً للصحونِ
وانت بهذي الجلابيب تدري الذي كان
وتلهو بكأسك عما يكون.
أمرؤ القيس دارت به الصالة داخنةً
لا تشفُّ نوافذُها
هو لايتذكر ما قاله . ويشك بما يسمع الآن .
هل هي اشعارُهُ تلكَ او هي أيامُهُ؟
اهو ذاك الذي كان يخفي المناشير بين دفاتره المدرسيةِ ؟
هل هو من دخل السجن يوماً ونام بزنزانة رطبة
في الشتاءِ، وانه جُرِّر َ كالكلب الى حجرة من صفيح ٍ
يقيءُ اعترافاتِهِِ؟
نسي السجنَ والحرس الواقفينْ
نسي الصالةَ والراقصينَ
وصاح كما في مظاهرةٍ:
"إن هذا الطريقَ مبعثرةً فيه اسماؤنا،
سيظل الطريقَ الى عالمٍ آخرٍ مُقْبِلِ!"
انتهى كلُّ شيء
رجلٌ آخر حلَّ فيه.
زمن آخر حلَّ فيه.
بلدٌ آخرٌ...
وهو الآن يصعد تلك السنين _ المدافن َ،
يبكي على وهجٍ ساطعٍ ضاع َ.
رأسهُ يتردد بندولَ حزنٍٍ يجيءُ ويذهبُ
من مقتلٍ في الحياة الى مقتلِ.
عاد ينظر: هذي المفازةُ خاليةٌ
ليس غير الرياح وليل كموجٍ ... ولا غير
هذا التعيس يذلُّ ويفنى على شارعٍ مُمْحِلِ.
استراح على كفّه رأسُهُ
وأمامه راقصة تتلوى على المسرحِ، عادت لتُكمِلَ رقصتها
قَذَفَتْهُ بحمّالة الصدر في وجهِهِ
رفعت رأسهُ للضياءِ وصاحت بهِ:
ثم جاءت إليه ، أنحنت فَوَقَهُ ،
نهدُهها لامس جبهتَهُ
انتبهْ للحياه!
وذُقْ لذةً في السفرجلِ ياناقفَ الحنَْظَل ِ!
**********
خذوا دمي قنديل َ جمر
خالد الخزرجي
قريتــُنا تسكن في أقصى الجراح ِ
صوَّحـَتْ
قبل وحام الماء ِ بالنخيل ْ
ممسوخة ٌ لاجـِنـّـُها جـِنّ ٌ
ولا سـُراتــُها ســُراة ْ
موبوءة ٌ بالسـّـَحَرَة ْ
قرَّت ْ على خيشومها فانكسرت ْ كالثــّمرة ْ
نجمتـــُها تراب ْ
وخبزُها تراب ْ
خــُطاتـُها يفقِّهون َ الكذْبَ والضـّـَلال ْ
مهملة ً باتت على الرصيف ْ
تشحذ ُ من قاتلها رقائق َ الرغيف ْ
وترتدي أسمالها القديمه ْ
وتقتل ُ النهارَ في غيبوبة ٍ
كقطـّة ٍ بهيمة ْ
تبحث في البيوت ِ عن غنيمه ْ
تعيش في بداوة ٍ
وتولم ُ البخور َ للكهانـَه ْ
تحتشد ُ الدروب ُ باللصوص والخيانه ْ
كلّ ُ حقول ِ الورد غاض َ لونـُها
ولم تعــُد ْ تورق ُ أو تحبل ُ بالثمار ْ
وكلّ ُ مـَن ْ حولي صَبَأ ْ ...
ياواهب َ الصبر إليك َ أرفع الدّعاء ْ
فآسمْع أنين َ زهرة ٍ تدفن ُ أمـًها
وتعجن ُ الرغيف َ بالدموع والدماء ْ
***
قريتـُنا مالحة ُ الهواء والمطر ْ
بارحها الصباح ُ
عشـّـَشَ الخراب ُ في أكواخها
يموت ُ فيها طائرُ الفينيق ْ
وتقفِر ُ الدروب ُ إلا من حجر ْ
جارية ٌ تـُباع ُ كالرقيق ْ
أسيرة ٌ فمن يفـُك ّ ُ أسْرها
يعيد ُ للأميرة الأنيقه ْ
بـَسمَتـَها الرقيقه ْ
ومَن ْ ترى يذبّ ُ عن مفاتن الطفولة ؟
***
قريتــُنا
كرومُها يابسة ٌ صفراء ْ
يقطنـُها الجراد ُ والذباب ُ والوباء ْ
سجّانــُها أعَدّ َ ليْ مقصلة ً
خـَلـّفَ ليْ بَلادَة ً وأمَّة ً نَدّابـَة ً
وغشـّني بلعبة الحرب ِ أنا
لعبَتـُه ُ الوحيدة
وابتكر َ القتل َ له ُ شريعة ً جديدة
أودّ ُ لو معجزة ٌ تحملني
للربّ ِ كي أراه
أقولُ : ياربي أنا عجزْت ُ
أنْ أرفع َ صوتي في وجوههم ْ
الموت ُ بالمرصاد لي ْ وراء كل باب ْ
يـشـْرع ُ ليْ اظفارَه ُ
في كلّ ظـُفْر ٍ منه ناب ْ
جِباههم ْ طين ُ وشكلهُم ْ حجر ْ
وجوهُهُم ْ كأنها المِدى
عيونهم قــُدّت ْ من الصَّخـَر ْ
***
أصغيت ُ قام َ الماءُ من ٍسٌباته ِ
روَّى نخيلاً باسقات ْ
رأيت ُ شكل َ غيمة ٍ
تفحّ ُ كالصِّلال ِ في التـّـُرَبْ
سمعت ُ في شهيقها
صوت َ بـُراق ٍ طافَ بالشـّـُهُبْ