ثلاثية الشعر... والحياة... والارض رؤية استقرائية في مجموعة الشاعر جميل حيدر "نبعٌ وظل" "الشعر مَلَكَةٌ عظيمة تنتصب على قمة الفن"

Ø     رياض العلوان

ومن هنا اجد ان "نقطة الضوء" التي يضعها الشاعر في مفتتح "الديوان" توجز لنا موقف الشاعر من الحياة باعتباره شاعراً ثم موقفه من الشعر باعتباره شخصاً في الحياة... قال: "كيف تجتاز زهو هذا المنعطف الثقافي الحاد بهذه الوريقات الغامضة اللون ذات النفس الترابي. وفي اية دريئةٍ تدخل اسواق الحداثة المزدانة بعروض الازياء..؟ هل كانت مخاطرة... ام انها ثقة مرور وادع..؟ قلت: ربما.!!"

وقد نلاحظ تعابير وان بدت استعراضية الاداء الا انها لم تأت الا لتجد الصورة الشوهاء لتلك الوجوه المطلية بالشعر تجمّلاً...

"التعابيرُ حُبالى... مُشرئباتُ الاداءْ"

"كمساحيق بغايا... موقرات بالطلاءْ"

"أرأيت الشعراء... كيف ماجوا خيلاء"

لكنه يظلّ في حاليه مجتازاً زهو هذا المنعطف الثقافي الحاد بهذه الوريقات الغامضة اللون ليربح موقفاً هو اولاً واخيراً في صالح الشعر والشاعر...

"حسبنا الجذرُ الرساليّ الذي

ظلّ في التربة يستهدي الرسولا"

... تمتد المساحة الزمنية للمجموعة الشعرية من عام 1956م حتى عام 1981م وهي مساحة مزدحمة بالاحداث والتناقضات السالبة والموجبة على صعيدي الفرد والجماعة واذا كانت الافكار تنمو من خلال التراكم او الاجتراح فان الشعر يفعل كذلك من خلال المستجدات في الحياة اولاً ومن خلال المستجدات في الشعر ذاته ثانيةً... ونحن لا نستعين هنا بمصادر غير شرعية لكي نتعامل مع القصيدة كالتاريخ او اي نتاج فكري او اجتماعي للمجتمع في حقبة ما. لفهم تلك القصيدة... بل اننا نأخذ القصيدة ككيان مستقل قد يحمل كل مفرادات مرحلته...

واذا كان الزمن يفلح في اسقاط شحنة من ضوء في التعامل مع الشعر سابقاً فانه قد لا يفلح في ذلك حاضراً... ومن اسباب ذلك هو كون الحياة لم تكن متشعِّبة ومزدحمة كما هي عليه الان، كما ان زوايا النظر للحياة من خلال الزمن اصبحت اكثر تشابكاً وتشابهاً حتى اصبح الزمن عاملاً من عوامل الشعر وليس كياناً مستقلاً قد يُفهم من خلال الشعر، وعلى الرغم من قلة القصائد الموضوعة في هذه المجموعة "38 قصيدة" غير انها تستطيع ان تضعنا امام "محاور" اساسية كتعامل الشاعر مع الشعر كغاية يستشرف بها الحياة ويسخّر ما فيها للوصول الى هدفه "القصيدة" ومع الشعر كوسيلة يمد من خلالها جسوره الى ما هو في الداخل "الروح وخلجاتها" والى ما هو في الخارج "الحياة وتشعباتها" وهذه القصائد المتفاوتة الاغراض والمضامين والاشكال ليست هي نتاج هذه المساحة الزمنية... بل قد لا تمثل معشار مما كتبه خلال هذه الحقبة، كما انها ليست افضل ما كتب وقد لا نجانب الصواب لو قلنا انها من القصائد المتواضعة سموّاً اذا ما قيست بقصائد اخرى كتبت في نفس الفترة، غير ان سبب اخياره وظهورها الى العيان لم تكن بارادة الشاعر وانما لعوامل اخرى نحن في غنى عن التطرق لها والخوض في تفاصيلها... فما هذه المحاور الاساسية التي نستطيع ان نعتبرها دلالات وقواسم يشترك فيها جُلُّ شعر الشاعر...

"الشعر محوراً"...

لا نستطيع ان نتحكم في افتراضاتنا الا للقصائد الموجودة فعلاً في هذه المجموعة واذا كنا قد اقررنا بموقف الشاعر من الشعر عموماً قبل حين فاننا نجد ان الشعر يتحول لديه الى همٍّ متواصل كأحد هموم الحياة اليومية بقلقه ويؤرِّقه ويستفزه اكثر مما تستفزه الحياة نفسها، وبدءاً من العنوان للمجموعة الذي نجده عنواناً مشاغباً ومراوغاً ومظللاً، فهو ظلّ شحيح منزو وبعيد لا يمكننا العثور عليه بيسر مثله كمثل شجرة برية في صحراء كبيرة وممتدة هو يحاول ام يتعب رفيقه القاريء هنا في البحث عنه والاهتداء اليه مثلما تعب هو في ايجاده وانمائه وكذلك نبعه الذي هو ليس بحراً نستطيع ابصاره من آمادٍ بعيدة فيبهرنا كيانه ولا هو نهر قد يغنينا عنه ما نحمله من متاع ورواء... انه يطمح ان يقصد وان يجهد من يريد ان يتكشف تلك "الظلال والينابيع" مثلما اجهد واجتهد في اكتشافها. انه شاعر يهمه مستقبل ما. يكتب اكثر مما تهمه الكتابة نفسها ونستطيع باستعادة قراءة "نقطة ضوء" المثبتتة في مفتتح الديوان ان نستشفّ شيئاً من ذلك القلق رغم ثقته باداته الشعرية وجدوى ما كتبه شعراً، ولعلّنا نجد في "قصيدة صلاة" ذلك البوح الشعري الخلاق الذي يتخذ نوعاً من انواع غزل الشاعر بشعره وبمصادر ذلك الشعر... "أفيضي بما أرتعت من اروع

جمال انتمائك للمبدع"

"فلستِ باكثر من نبتةٍ

تسبح في روعة المنبع"

فالنبتةُ هي الروح التي قد تحولت الى قصيدة.

والنبع هو ذلك الارث الشعري المذهل، هو نبعه الذي يريد منا ان نذهب اليه باحثين لا متنزهين، فالشعر لديه ليس ترفاً بل معاناةٌ واية معاناةٍ انها المعاناة التي "استضاء منها الاديب" وهو يريد من حرفه ان يكون "مقاتلاً فينا" معطياً له دور الفدائي، المناضل كي لا "يلتاثَ رؤية اسلوب" فيسقط الشعر "في وجوه ابهرتها رقصة الحرف على عزف الغرابة" وهو بهذا يترفع بشعره عن تلك الاصوات التي "تنشر الاسلاب من اجل قصيدة" هنا يتداخل موقف الشاعر من الشعر، مع الشعر كموقف ويصبح من الصعب القول: ان هناك شعراً له موقف بغض النظر عن هوية الشاعر او ان هناك شاعراً له موقف بغض النظر عن هوية الشعر، انها حالة التوحد التي من اجلها قد يتخلى الشاعر عن مواكبة ما قفز اليه شعره... وزهد الشعر ليس هو زهد الشاعر فقد يدفع الشعر الى "التقولب" والتكرار وحتى الاجترار ويقبع في فلك ضيق خامل يستمرئ التجربة او التجديد او الابتكار او التناغم مع الحياة، بل التناغم "مع اللون المدمج" المعدّ سلفاً. اما زهد الشاعر فهو الزهد الذي ينأى به عن "التكايا الموسمية" التي "تمنح الفرسان شارات الجهاد" دون ان يخبروا ساحة الجهاد... بل دون ان ترى عيونهم غبارها وهو زهد الباحث عن جمال الصورة لا عن "الاطار المذهّب" لكن هذا الزهد ليس سلوكاً افتعالياً كما يحسبه البعض او يتخذه البعض بل هو زهد يبقي الخيوط متصلة والابواب مشرعة على كل اتجاهات الحياة، هكذا يصبح الشعر منهاجاً ابداعياً لا نهجاً سلوكياً زائفاً او مفتعلاً...

"أقرأت الاوجه المحتفلة... كيف تحمرّ انفعالات جديدة؟" ان قلق الشاعر الشعري يدفع به الى الرفض او القبول، رفض الحياة او قبولها لكنه لا يدفع الى التخلي او الابتعاد عن ذلك الدور الذي ينتظر منه ان يؤديه مثلما ادّاه بعض الذين سبقوه ويحاول اخرون ويتخلى اخرون كذلك...

"بعضهم داني القطوف وبعض يتدانى وبعضهم غير داني" الاسلوب يتخذ لديه قلقاً ابداعياً متواصلاً. لا باعتباره اداة تعبيرية يتلاشى دورها بعد التواصل الى الهدف "المعنى" فحسب، بل انه رديف اساسي في بناء القصيدة. لا يقل شأناً عن "المعنى" الذي يسعى الشاعر لتوصيله الى الطرف الاخر.

"يوم كانت انارة الفكر كفراً

والمعاناة فيه ذات امتحان"

هل اوصل الشاعر جزءاً من معاناته في الشعر ومعاناة الشعر فيه؟.

فاجتراح اسلوب جديد متفرد خارج عن القافلة الموروثة لا يقابل من مريديها بالاستحسان او التربيت على اكتاف الشاعر الخارج عن اطارهم، بل مجرد التبشير بطريقة جديدة حتى ضمن السياق العام كما فعل –ابو تمام- تحمل صاحبها ما يتحمله شخص اخر خرج عن قانون المقدسات جمعه عليه حكم الكافر، ولعل ما يؤكد ما نذهب اليه تلك القصيدة التي تتداخل فيها الاغراض، الرثاء، المدح بمعاناة الشاعر ضمن وسط شعري "محافظ" اراد ان يغني خارج القافلة، هذه القصيدة التي يتذكر فيها صديقه الشاعر صالح الجعفري توجز كل الذي نريد ان نقوله عن معاناة الشاعر بشعره... "وخضت معركة التجديد قافية حتى استطالك من اشياخها القدر" "ناشدتهم ان يعيشوا العصر تجربة لكي يجدد من افيائِهِ الشجر" "فضيقوا كل حرف شف منفتحاً وعوسجوا كل سمع شب يفتكر" "وما استطاعوا استلاب النهر عاصفة فطوفوا في ضفاف النهر وانغمروا" اية نهاية مزرية تلك التي اوصل الشاعر خصوم شعره المتجدد لها... بل اية حالة استطاع ان يرفع شعره بها عنهم وهو يعرف ان المعاني يكنزها الكثير منهم ويعانون ذات المعاناة على السطح التي يعانيها هو لكنه اراد ان تكون له خطوة متفردة عن مسيرتهم الرتيبة... هنا يصبح الاسلوب قضية ليست تلك القضية التي يفتعلها البعض حول شكل القصيدة ويتنابزون بها كانها ثوب له طول وعرض محدد... بل ان معاناة الاسلوب تصبح نسغاً داخلياً وكأن الشاعر يصارع شيئاً هو في "ماهية" الشعر "كينونة" القصيدة وليس "قشرها" "عناؤك هذا الشهي المرير

كتاب قراءته مرهقة"

"يريد له قارئاً لا ينام

بعينين احرفه مشرقة"

وهو يعلم عن دراية... ان معاناة الشعر اشد وطأة من معاناة الحياة ذاتها فهو يصارع من اجل ان يبقي ذلك الصوت الخفي الذي يهمس في داخله ولا يريد ان يبقيه مثلما ورث عن غيره، بل يريد شكلاً جديداً وصدىً جديداً وصورة جديدة لمعاناته ولان الشعر جهد فردي فهو يأنس لتلك الفردية وان حملت في طياتها غربة مؤذية لكنها غربة الشاعر وليس غربة الشعر. وهو يرى صدى غربته ويتلمس صداها...

"غربة الشاعر المعذّب كالالحان غصت بعزفها الاصداء" وهو ينظر للشاعر بسموّ شعره اذا سما وينظر للشعر بسمو شاعره اذا سما... فلا انفصال بين نخلة مباركة ورطب جني ولا يريدها مباركة وتمرها نتن مرّ المذاق بل يتداخل لديه الغصن والتمر...

"قال يسمو المحراب فيهم ولكن

التسامي لشاعر المحراب"

ما الذي يريد ان يوصلنا اليه الشاعر بشعره عن الشعر وعن معاناة الشعر في الشاعر، ما الذي يريد ان يدفعنا اليه بعد ان حاول ابقاءنا جاهداً بعيداً عن الحافة، صحيح انها ليست بذلك البعد الواسع الذي يمنح درجة الامان لكنه بعدٌ يجعلنا نَلُمْ انفسنا...

"علّنا نبتلّ بالوحل فلا

يطمع المنجل فينا للوقود"

هنا نستطيع القول انه كرس قناعاتنا المسبقة ومنحها شرعية اكثر، نعم اذا شئنا ان نقرأ شعره كما هو. دون ان نلقي على كاهله تلك اقناعات السالفة، نحن نتحرر من بعض الشعر بالقناعات.

 

-*********************