الواقع والميتاواقع - قراءة اتصالية في (خرزة زرقاء) للقاص كريم عبد 2-2

Ø     مقداد مسعود

خلافا لشيرين نرى هيفاء تريد.. لكن لا ضير ان كان ذلك بالزواج او من خلال علاقة جنسية محض فهي لا تفكر بأمر خارج رغبتها تلك ولا يهمها من الطرف المشارك مشاعره الخاصة فهي حسبها من سليم "بلل شفته ورائحة جسده التي تذكرها برائحة العشب المبتل/ص65" رغم انها (تعرف بان قلبه مهشم في حب ما لكنها لم تسأله عن ذلك كل ما يهمها هو بلل شفتيه../ص65" وسليم(صديقها الثاني دون ان تحدث شيرين بالأمر/ ص 65 وهي بهذا تكشف عن موقف احترازي مبالغ فيه خلافا لانفتاح شيرين معها بخصوص حسام/ ص63 ولهيفاء نظرة سطحية بخصوص عدم زواج الرجال "ان الرجال هذه الأيام لا يتزوجون لانهم معقدون او ان أزمة السكن تحول دون رغباتهم/ ص65" إنها تحس الأزمة لكنها تنسى او تتناسى وربما غير واعية بالمرة للتناقض الحاد بين أنوثتها المتفجرة والرجولة المخنوقة بسبب عوامل اجتماعية. ان تدني الوعي الاجتماعي لدى هيفاء رغم أنها كمهندسة ينضدها التركيب الطبقي للبلدان النامية ضمن فئة المثقفين لا كأمية سترت عورتها بشهادة جامعية جعلها لا تعي ان صيرورة الإنسان تشترط تفتح وجدانه الشخصي وانفتاحه على المأساة الجماعية من خلال ذلك يصل الإنسان رجلا كان او امرأة الى التفرد (فان من حق الرجولة ومن واجبها معا ان تناضل لتكتسب الصفة الشرعية وليعترف بها الآخرون) الا حين يتودد إليها المهندس المسؤول تزن الأمور بعقل تجاري (المشروع بدا غير عملي لاسيما وهي في دائرة شغلها والإعجاب يأتي من رجل متزوج رغم انه ما يزال شابا ومغريا/ 78" ان تقوم بتجيير عواطفها أنها امرأة سهلة (لم تكن ثمة عقبات في دواخل هيفاء تحتاج الى التجاوز 87) لكنها عندما تختلي بنفسها فأنها تتجرد من الملابس والأفكار وتفكر بجسدها" كانت تتحسس نهديها بلذة واستغراب ودت لو ان المهندس معها الان/ 79" وهيفاء متقلبة المزاج (في اليوم الثاني كان عليها ان تنسى ما حدث لأنها غير مهيأة لعلاقة كهذه صحيح ان الجو بدا مغريا لكنها تعرف بان الامور ليست سهلة الى هذا الحد/ 79) واذا كنا نعرف بعض تفاصيل حياة شيرين خارج الدائرة فإننا كقراء لا نتعرف على هيفاء في بيتها بل في أمكنة أخرى وعلاقتها مع بيوت الآخرين مرتبطة بالجنس: بيت سليم ص65/ بيت شيرين ص83/ عندما تقول هيفاء "الرجال اما معقدون او أزمة السكن تحول دون رغباتهم/65) او حين تقول هيفاء "ان الرجال مشغولون بشيء آخر غير النساء الله هو اعلم ما هو)ص97 نرى شيرين تضحك وتقول أكيد انه سوء الحظ أليس كذلك؟) تسألها هيفاء: سوء حظنا ام سوء حظهم) تجيب شيرين: سوء حظ الطرفين/ 97 أنهما تحسان بالأزمة وتكابدان من قساوتها لكنهما لا تعيبان شروط المشكلة وكيفية التجاوز أنهما تحاولان تحقيق أنوثتهما عبر الاندماج برجولة سوية لكنهما لا تتعطفان مع مكابدات هذه الرجولة المخنوقة المستلبة حد التشيؤ بفعل عوامل تعمد القاص إخفاءها معتمدا على استجابة القارئ الند للمؤلف بالعمل في ملء بينية البياض التي خصصها القاص لنشاط القارئ التأويلي 0والكاتب يتجنب النزعة الوعظية ويؤكد الشعرية فيتحدى بذلك الفعالية العقلية للقارئ" إجهاد مركز الخيال وقدرة التخيل وتعامل واع مع اللغة وصورها). كيف يعي الإنسان دون ان يحس ومن أين يأتي الإحساس لإنسان لا يمتلك قوة الانتباه لحركة الحياة من خلال ظهور واختفاء الأشياء ذلك ما يومئ إليه القاص من خلال المستوى الجواني للقصة اعني ظهور واختفاء الأشياء المستوى الجواني للقصة اعني ظهور واختفاء الخرزة الزرقاء وبين المستوى الجواني السحري للقصة والمستوى البراني الواقعي حد فاصل غير مرئي لكنه محسوس فالعلاقة بين الحيوان والإنسان لا تجري ضمن بنية حكائية حيث يتقن الإنسان منطق الطير ويتقن الطير لغات الإنسان في خرزة زرقاء يتوازى الواقعي مع السحري ويستمران في التوازي حتى النهاية والخرزة كرمز (له فنية خاصة وتحرك خاص في علاقته بالرموز فهو مرتبط به بعلاقة عضوية ويتحرك وإياه في إطار هذه العلاقة على مستوى واحد) ظهور الخرزة واختفاءها لا يثير لدى الشخوص أي تساؤل؟ خوف؟ قلق؟ استفسار؟ والراوي في القصة يمارس كل برودة الحياة الموضوعي مكتفياً بالرصد أما مشاعر الشخوص لحظة ظهور الخرزة واختفاءها فالأمر لا يعنيه البتة كما لا يعنيه أمر المروي له، الراوي يترك المروي له مع الخرزة بوقت ظهورها وما يصاحب هذا الظهور من متغيرات فيلاحظ ثمة تزامن بين حضور العصفورة وحضور الخرزة كما يلاحظ المروي له والمقصود هنا بالضبط الذي يمتلك درجة عالية من جمالية التلقي اعني القارئ الند للمؤلف، ان عدم الانتباه للخرزة يماثل عدم الانتباه للفتاتين وضمن المستوى الجواني السحري يوسع من فضاء القص المتأزم على المستوى البراني الواقعي الرتب اذ وحده عنصر الخيال من يخفف من قساوة الواقع المعاش ويدس في صلابته مرونة المطاط ليجعله قابلا للاتساع والعمق وضمن هذا المستوى تنمو القصة على الصعيد الحكائي دون ان تترك أثرا سلبياً يعيق التصعيد القصصي  وتوظيفه للعصفورة يذكرنا بنوع من الحكايات يصنفها كاظم سعدالدين (حكاية حيوانات تخالط البشر وتعينه وتكلمه وترشده) لكن القاص كريم عبد مارس انزياحاً جماليا في المجال بين عالم النص وعالم قراءته بين أفق التوقع فهو وان كان ينقل لنا أحاسيس العصفورة وتساؤلاتها لكنه لم يوسع في قدراتها كما هو الحال في الحكاية الشعبية بل أبقاها عصفورة (لا تعرف بمثل هذه التفاصيل/ ص95) العصفورة ترى ابعد من الإنسان لكن الإنسان وحده من يغني رؤيته المحدودة بـ(لانهائية المعرفة وهذا امتيازه الإنساني على كافة الكائنات الحية) وهكذا نرى ان القاص كريم عبد أجرى تغييرا في أفق التوقع من خلال الانزياح الجمالي الحاصل بين عالم النص وعالم قراءته) اعني المسافة حسب مصطلح ياوس بين أفق التوقع الموجود من قبل والعمل الجديد الذي يمكن ان يؤدي تلقيه الى تغير في الأفق (horizontwandel) واذا تطرقنا الى التأويل ضمن السياق الحكائي يمكن ان نرى في العصفورة فتاة ممسوخة بفعل سحر اسود كما هو الحال في حكايات الليالي الألف وتأويلنا هذا يستند على المسكوت عنه في النص من المؤكد اننا في قراءتنا المغلوطة لقصة (خرزة زرقاء)(missreafing)  اعتمادا على ما تثيره القصة فينا من استجابات خرجنا عن مقصد المؤلف وحفرنا في القصة طموحا منا في الوصول الى مقصد القصة ذاتها وعيا منا ان القصة الحداثوية لا تتم عملها الا بشكل غير تام وان حق المؤلف لا يتعدى حدود الكلمات المنضدة قصصياً والمقدمة للقراء ليأخذوا حصصهم المتباينة من المعنى:

(1)

ظلت العصافير اول المساء تفتش عن خرزة زرقاء بين الأعشاب وتحث المصاطب الكثيرة المتباعدة/ ص61. طارت العصفورة.. ظلت تحوم حول رأس الفتاتين. وهي تسمع نبض الخرزة الزرقاء بشك أوضح تشعر أحيانا وكأنها تنبض في قلبها وأحيانا تسمعها تنبض في عش ما على إحدى اشجار الحديقة لكن بحثها دائما يذهب سدى/95.

(2)

سمعت العصفورة الخرزة الزرقاء تنبض بصوت خافت داخل البيت ما وراء النافذة التي أغلقت/62. هذه الخرزة كما يتناهى أحيانا في هذا القصر الخالي/ ص95.

كما تظهر الخرزة لشيرين بالشكل التالي:

مرة تحس بها تحت وسادتها سمعت شيئا ينبض تحت الوسادة حين رفعتها شاهدت خرزة زرقاء وأرادت ان تمسكها لكن الخرزة اختفت/64) وثانية تظهر لها عندما كانت تعتلي الدرج سمعت نبضاً ما في جزدانها وحين فتحته وجدت الخرزة الزرقاء وسرعان ما مدت يدها لكنها لم تمسك سوى المفتاح/71) وفي المرة الثالثة لا تراها مخبوءة كما جرى في المرتين السالفتين ولا تراها لوحدها لقد مسخت مسبحة الرجل دون معرفتنا بأسباب المسخ: (أطفأ الرجل سيجارته واخرج مسبحة بخرز ازرق بدت لها الخرزات وكأنها تتطلع الى كل الاتجاهات ص65) والأصح انه تهيؤ حدث لشيرين بسبب التداعي الصوري خرزة/ خرزات زرق. لكن هناك من يزهد لا بخرزة بل بمسبحة كاملة كما فعل رجل القصر فهو عندما تخلى عن المسبحة تخلص من ضيفه ومن التصحر الزاحف على روحه واكتسب تألقا باذخا (اخرج الرجل من جيبه مسبحة بخرز ازرق وبدا يسبح بها خرز زرق الى حد ما سقطت المسبحة من يد الرجل الى تحت المصطبة وضع الرجل أصابعه على عينيه وبدا يفركها بهدوء عندما فتح الرجل عينيه بدت له الحديقة محتشدة بالزهو والأشجار كانت الخضرة تشع تشع في روحه/ص85) ورغم وحدته لكنه (كان يبدو وكأنه ليس وحيدا انه يحدث نفسه أحيانا شعر الرجل وكان كومة مسامير صغيرة قذفت من خارج الحديقة وسقطت وراءه لكنه لم يلتفت، انحنى يقطف بعض الورود وأغصان ألآس جمعها في يده حتى بدت وكأنها مرتبة لكي تهدى لاحد/ ص86) اما المسبحة فان (الرجل لم ينحن ليلتقطها ثانية/ ص87) وهذا يعني ان الرجل لم يضيعْ المسبحة او انه نسيها تخلى عنها بعد تجربة مريرة اما المسبحة فقد مسخت علقتها العصفورة الف عينٍ محملقة تحولت الخرزات الزرق الى عيون عيون مفتوحة ترمش أحيانا عيون تحملق في جميع الأشياء التي حولها/ ص87) خلافا لذلك كان تحول الخرز في حقيبة شيرين 0وجدت الخرزة الزرقاء وسرعان ما مدت يدها لكنها لم تمسك سوى المفتاح/ 71" الا نرى في تباين تحول الخرزة لدى كل من شيرين والرجل او شيرين والموظف (ص67) اختلاف في وظيفة العلامة دلاليا بسبب العلاقة القائمة بين العلاقة من ناحية خواصها الدلالية السينمائية ومن الملاحظ ان الخرزة لم تخص (هيفاء) بظهور خاص بل ظهرت لها وهي في معية شيرين أي كأنها ظهرت لشيرين على مرأى هيفاء ومكان الظهور في كلتا الحالتين مكان عام: حديقة ص73، ص97) كما لم تظهر لأم شيرين التي سلبها الطلاق زوجها واستلب مشاعرها الإنسانية هل يكمن السبب في أنها (لم تعد تكن للرجال أيَّ مشاعر خاصة حتى إلحاح الرغبات كان ينمو ويتفتت في نفس اللحظة هشة أصبحت مشاعرها/ ص88- 89) أي أنها أصبحت عادية العلاقة بين الطرفين ولم تظهر لأخيها الصغير رغم ما يمتاز به فكر الطفل من احيائية كما يؤكد بياجيه في بحوثه اذ (لايوجد عند الطفل خط فاصل واضح بين ما هو جامد وما هو حي فما يعيش يمتلك حياة قريبة من حياتنا. واذا نحن لم نفهم ما تقوله لنا الصخور والاشجار والحيوانات كذلك لاننا لسنا في انسجام معها بشكل كاف. اما الطفل الذي يبحث عن فهم للعالم فيبدو منطقياً ان يأمل بجواب من جانب هذه الاشياء التي توقظ فضوله/ ص70) لكن الاخ الصغير لا يشكو من ثنائية مضطربة اذ ان شيرين توليه اهتماما خاصا تحاول من خلاله ان تعوضه عن غياب الاب وإهمال الأم المشغولة بمتعتها الخاصة اما هيفاء فلا تخصها الخرزة بظهور لانها ليست المعنية بالامر فهي لديها اكثر من علاقة واحدة ص65 ولم تظهر الخرزة للمهندس المسؤول رغم انشغاله بـ(هيفاء) فهو يريدها كما تريد هي من الآخرين (في البيت مستلقية على الفراش شعرت وكأنها ما تزال في السادسة عشرة كانت تتحسس نهديها بلذة واستغراب ودت لو ان المهندس معها الان/ 79).

لنحاول الان تفكيك الخرزة الزرقاء: تثير مفردة خرزة لدى الصغار رغبة في اللعب وحين يقول القاص خرزة فأننا نرسم في مخيلتنا شكلا هندسياً معروفا لكنه من ناحية العنونة لم يكتف بذلك وعيا منه ان كلمة (خرزة لوحدها نكرة وقول النكرة وعدم القول سواء فـ(الكلمة المفردة لا تكتسب معناها الا من جملة العلائق التي تربطها بغيرها من الكلمات) لذا يعمد القاص الى ربطها بعلاقة حضور من خلال مجاورتها لكلمة تالية: زرقاء، وهنا سيستقيم المعنى والمبنى لكن الطريف بالامر ان المعنى المكتمل الان يعود الى الاكتفاء بالمفردة: خرزة على مستوى الكلام في قولنا: فلان عنده (خرزة) فأننا نجرده من قدراته البشرية ونجعله عالة على قوى غيبية ويحمل قولنا (فلان عنده خرزة) سينمائيا اكثر من دلالة منها القوة ومنها الاستهانة ويكون ذلك ضمن الخواص الدلالية- السينمائية للخرزة. على مستوى المفاهيم الغبية الخرزة مسكونة بقوى خفية ويمكن من خلال طقوس سحرية معينة تسخيرها لشخص معين أي أنها بحاجة الى قوة عالية القدرة وهذه القدرة لا تتوفر الا لشخص بدائي التفكير او قريب من محايث لهذا الفكر والراي والراوي يرشح لهذه المهمة الفلاح فهو الحائز الوحيد على الشرط الاساس اولا: لعلاقته المباشرة مع الارض: الفلاحة وثانيا لعلاقته الحميمة بالمعتقدات السحرية (الفلاح كما تقول العصفورة ربما يعثر ذات يوم على الخرزة الزرقاء دون ان يعلم احد بذلك فهذه الخرزة تنبض احياناً هنا في هذا القصر الخالي/ ص95) وعلى الصعيد الواقعي ان الراوي يرشح الفلاح للامر لاهتمامه بالسيدة (الفلاح.. لم يعد يأت.. لأن السيدة لم تعد موجودة الفلاح مهتم بالسيدة اكثر من زوجها كانت عيونه تلمع وهو يتطلع كلما تسنى له ذلك الى النور المشع من اعلى ثدييها خاصة عندما تنحني/ ص95) وهذا الترشيح لا يخلو من الانحياز الطبقي من لدن القاص ذاته على المستوى السينمائي: الخرزة علامة والعلامة على حد قول جارلس بيرسي" شيء ما يحل محل شيء آخر غير موجود وقد لايوجد "والخرزة من خلال استقراءنا لباطن النص هي المكبوت المنشود الذي تعامل القاص كريم عبد معه بغموض شعري مكتفياً برصد تنقلات الخرزة دون نقل مشاعر الشخوص وعيا منه ان الافصاح عن تلك المشاعر يتسبب في افساد لذة القصة تاركاً القارئ لفعالية استجابته ولوعيه الجمعي في هذا الخصوص ولان الخرزة ليست كينونة بل ترابط بين الدال والمدلول اذن مهمتها كعلامة تتجاوز ايضاح المفهوم.

 

 

 

 

****************