ليلة على ضفاف دجلة
(27-9-1984)
أبو وسن
كان القمر يعلو
السماء في يومه الثاني مضيئاً بخجل وكان كل شيء يبدو ساكناً في هذا
الكون.
لو تأخرنا يومين
اخرين لكان من الصعب علينا العبور*- قلت محدثاً أحد الرفاق فأجابني
موافقاً.
كان الهدوء سيد
الموقف من حولنا، كنا قد قطعنا شوطاً طويلاً بالسيارات عبر القرى
المتناثرة بين تلال منطقة الجزيرة في سوريا، كنا نقترب من قرية (تل
أحمر) الواقعة بمحاذاة الحدود العراقية في الوادي الفاصل بين القرية
والتلة التي أعتدنا الاستطلاع منها قبيل كل سفرة لنا الى الوطن. التلة
هذه تقع قبالة مجمع سحيلة القسري في الجانب العراقي وتبعد عنه بضع
كيلومترات الامر الذي يسهل علينا استطلاع الحركة داخل وحول المجمع.
كان الهدوء يخيم على
المكان ولا حركة الا لبعض الرفاق المكلفين بتوزيع مؤونة الطريق، العشاء
المشترك كان موزعاً على قصاصات من الجرائد في اماكن متفرقة.
-
كل خمسة على سفره
رفاق....اوعز الرفيق أ.سحر
بعد تناولنا للعشاء،
وزعت الفاكهة وملئت (الزمزميات) بالماء، مرت بضع دقائق وبعدها بدأت
الحركة صوب الوطن. كان الجميع منهمكاً بتقدير وزن حمولته، البعض شكا من
ثقلها، وفي النهاية تم الاتفاق على التعاون من اجل ايصال كل حمولة
المفرزة (مدفع بـ10 مع10 قذائف، حاضنة مدفع رشاش 14،5[1] مع مجموعة من
البنادق الخفيفة، جهازلاسلكي، اطارات تركتور لعمل الكلك، ارزاق تكفي
لثلاثة ايام وبريد حزبي). جاءنا صوت أ.هديل ليعلن بدء الحركة وان هناك
اطار (جوب) يجب ان يحمل لان الدليل أ.ابراهيم لا يستطيع حمله (كان
أ.ابراهيم رجل كهل يصعب عليه ان يحمل اطاراً فوق حمله). جرى الاتفاق مع
مجموعة الاشتراكي**
(6-رفاق)
لحمل الاطار(كانت المفرزة مشتركة). وزعت المهمات وشكل نسق المسير،
الاستطلاع، الوسط والمؤخرة ووضح الموقف والاحتمالات التي قد تواجه
المفرزة.
-
رفاق اذا صادف ان
تصادمنا فما عليكم الا ان تثبتوا في اماكنكم حتى يأتيكم الايعاز
بالقتال او الحركة وحسب مايقرره الدليل- اوضح ر. أ.هديل. عانقنا الرفاق
المودعين وبدأت المفرزة تشق طريقها نحو الوطن مستهدية بضوء القمر
المنتشرعلى سفوح التلال المترامية على طول المنطقة.
- (وداعاً
رفاق.... نلتقي... تحياتنا لكل الرفاق في الوطن...) قال احد الرفاق
المودعين بعد عناق حميم:
اثنان وعشرون نصيراً
محملون باسلحة خفيفة وثقيلة ساروا نحو الوطن وكان يحدوهم امل بان يصلوا
بسلام وانهم بما يحملون من اعتدة وسلاح قد يساهمون بدفع العمل الانصاري
خطوة الى الامام.
كانت
سماء صافية، والنجوم سابحة تتلألأ بضوئها البعيد وكان القمر يسحب شعاع
الضوء الاخير ليتركنا بعد برهة من الزمن كي نشق طريقنا في الظلام، كان
ذلك الوقت مناسباً لعبورنا حيث كان يصعب كشف حركتنا من قبل الربايا
المنتشرة على الحدود. كانت اضواء مجمع سحيلة تساعدنا في تحديد اتجاه
سيرنا وحاولنا قدر الامكان ان نسير بموازاتها وصولاً الى نهر دجلة.
توقف مفاجئ، ماذا هناك! هل حدث شيء! لقد انقطع سير حقيبة د.ا. ظفر، نحن
بحاجة الى حبل... سمعنا صوت احد الرفاق.... ما هي الا دقائق وحل الامر
لتعود المفرزة الى المسير عندها اعلمنا بسر الليل (كارا- متين) وكلمة
السر في حالة ان اصيب احد (آزاد). كان الجميع يسيرون بهمة ونشاط كما هو
معهود في مثل هذه المفارز و كان كل شيء على مايرام حينها كان الاطمئنان
واضحاً في صوت الدليل وصوت ر. أ.هديل.
لا
شيء غريب يمكن ذكره عن مسيرة المفرزة لتلك الليلة سوى ان الحمولة كانت
ثقيلة مما دعت احد الرفاق الى التذمر وانهك التعب البعض.
-
لا ادري لماذا لا يوعز
أ.هديل بالاستراحة كما كنا نفعل دائماً على الاقل لترتيب حمولتنا لكي
نستطيع المواصلة...قال ا.شهاب
كان معظم الرفاق قد
انهكهم التعب لكن الحماس والاصرار على المواصلة أعطتهم القوة للتغلب
على التعب خصوصاً ان المكان الذي كنا سنجتازه هو شارع البترول والذي
يعتبر من اخطر الاماكن في مسيرة تلك الليلة.
كان
الجميع يصغي بتركيز عال وبترقب وهم في وضع الانبطاح ينؤون تحت حمولتهم
حيث كانت الانفاس تتسارع وكانت العيون تتلصص في الظلام حيث لا ضوء سوى
الضوء الباهت الذي كان يعلو الربيئة المشرفة على هذا الجزء من شارع
البترول. كان الكل ينتظر الاستطلاع الذي بدوره كان ينتظر مرور سيارة
الدورية للتأكد من خلو الشارع من الكمائن. ولم يمضِ وقت طويل حتى علا
في الافق نور سيارة الدورية التي وقفت لفترة وجيزة ثم واصلت طريقها
حينها تبين للمستطلعين ان الطريق آمنة. جاء الايعاز للمجموعة بالبدء
بالصعود الى الشارع والعبور بخفة وهدوء.
لقد
نجحنا في عبور الشارع حيث كان الدليل قد اختار نقطة العبور من مكان لم
يكن العدو ليتوقع انه بامكان احد من المجازفة والعبور من هناك لقربه من
الربايا ولوعورة مسالكه.
بعد اجتيازنا للشارع
واصلنا المسير على السفح المجاور للتلة التي تعلوها الربيئة لمسافة
قصيرة فكانت لنا استراحة عندها تملكنا احساس بان الامور تسير بشكل حسن.
جلسنا لنأخذ قسطاً من الراحة بعد مسير دام ساعتين الا ربع (الحركة بدأت
الساعة السابعة). لم تتجاوز الاستراحة سوى بضع دقائق حتى ابلغنا ان
النهر قريب من هنا وانه بامكاننا اخذ استراحة اطول اثناء تركيب الكلك
الذي سيساعدنا في عبور النهر.
ابتدأت المرحلة
الثانية من المسير بصعود حاد للتلة والسير لمسافة طويلة ومن بعدها
الصعود لتلة اخرى التي من قمتها يمكننا رؤية المواقع العسكرية ومجمع
كوزكيران المحاذي لنهر دجلة ويمكننا كذلك رؤية المجمعات الاخرى الواقعة
على الضفة الاخرى من النهر حينها كانت الدوريات العسكرية تجوب شارع
البترول ذهابا وايابا.
كنا نرى من هذا
المكان امتداد نهر دجلة عبر السهل وعلى جانبيه مناطق كثيفة بالادغال،
كانت نسمات الهواء الملامسة لاجسادنا المتعبة تنعش الروح وتخدر الجسد.
شوهدت في هذه الاثناء اشارة ضوئية بين موقعين قرب النهر، هذه الاشارة
جعلت الادلاء يوقفوا الحركة لحين استيضاح الامر، عندها تحرك أ. شهاب من
مؤخرة المفرزة الى المقدمة للاستيضاح ومعرفة الموقف. عاد بعد دقائق
ليخبرنا بان الاشارة ربما كانت لمزارعين أو رعاة حسب اعتقاد الادلاء
عليه وكأجراء احترازي جرى الابتعاد عن الاتجاه الذي شوهدت منه الاشارة
لمسافة معينة وعند الوصول الى النهر كنا سنحاول التحقق من الامر.
سارت
المفرزة في الاتجاه المتفق عليه وعلى طريق ترابية حرثت حديثاً وبعدها
على ارض مليئة بالحصى ووسط الادغال (هذه هي البيئة الطبيعية للمنطقة
القريبة من نهر دجلة). كان الاستطلاع قد أمّن مكاناً ملائماً لتهيئة
وتركيب الكلك، حينها انتشرت المفرزة وتوزعت الى مجاميع صغيرة مع حراسة
مشددة للمكان كان الجميع قد انهمك بنفخ الاطارات بأنفاسهم المتعبة ومن
ثم تم تقويتها بالمنفاخ وعندها ربطت الاطارات الى بعضها بالحبال لتكون
لنا الوسيلة التي كان بواسطتها يمكننا الانتقال مع الحمولة الى الضفة
الاخرى من النهر (لحسن الحظ كانت كل الاطارات سليمة هذه المرة قال
أحدهم...). كان الوقت حينها حوالي الساعة العاشرة ليلاً.
بعد
ان مضت الساعة ونصف الساعة من الوقت في العمل الدؤوب من نفخ وشد وتركيب
اصبح الكلك جاهزاً ولا يفوتني هنا التنويه الى ان حركتنا اثناء العمل
لم تكن كما كان يجب ان تكون.
كانت
المرحلة التالية من مسيرة المفرزة هي عبور نهر دجلة و كان المعتاد ان
توضع الحمولات على الكلك ويخوض الرفاق بكامل عدتهم في الاماكن الضحلة
المياه اما في الاماكن العميقة كانوا يمسكون بالكلك ويحاولون الجذف
للمساعدة في حركته. كان الاتفاق الاولي هو ان نعبر مباشرة من المكان
الذي هيأنا فيه الكلك حيث كانت تشطر مجرى النهر جزيرة صغيرة لتجعله
مجريين الاول ضحل المياه حيث كان يمكن الخوض فيه والثاني عميق وشديد
التيار. استجد رأياً اخر ان نسير مسافة نحو اليسار مع المجرى حيث يكون
النهر بمجرى واحد عندها يكون العبور اسهل. اربك هذان الرأيان الرفاق
بين الخوض في الماء ووضع الحمولة فوق الكلك وسحبه أو حملة والسير به
مسافة اخرى، فكانت ردود الافعال مختلفة ممـا ساعد الى ارباك الحركة
وامتعاض البعض.
في النهاية استقر
الراي على حمل الكلك والسير به مسافة، ممايعني انزعاج البعض ممن وضع
حمولتة على الكلك حيث كان عليه ان يحملها مجددا.
كانت احدى نتائج
الاختلاف هذا ان احدى الحقائب التي كانت موضوعة على الكلك جرفها التيار
ولم تجدِ محاولات ر. أ.ايمان نفعا للحاق بها.
كان لعدد من الرفاق
مهمات محدده سلفا في عملية عبور النهر فالرفاق ا.جهاد و ا. ايمان و
ا.ابراهيم كانت مهمتهم تسيير الكلك بالمجاذيف، اما ر. أ. خلود و
أ.افكار فمهمتهم كانت السباحة لدفع الكلك وعليه خلعوا ملابسهم وسلموا
اسلحتهم للرفاق الاخرين(كان رشاش العفاروف الذي كان يحمله أ.افكار من
حصتي). الرفاق أ.هديل و أ. سحر و الدليل رمضان كانت مهمتهم الرد على
مصادر النيران في حال تعرضنا لاطلاق نار اما البقية الباقية فكانت
مهمتهم الخوض في الماء والامساك بالكلك والجذف لحين بلوغ الكلك الضفة
الثانية من النهر.
حملنا
الكلك وسرنا بة مسافة غير قصيرة بجوار حافة النهر حيث كانت برك الماء
المليئة بالحصى عائقاللحركه ولم توفر التناسق المطلوب اثناء حمل الكلك
وقد تم ذلك وسط زعيق وضوضاء مثيرتين للانتباه.
وصلنا
الى المكان الذي اعتقد المستطلعون انه مناسب حيث يتوحد مجرى النهر و
يكون فيه تيار الماء قويا. امتاز المكان بوقوعه تحت قطع صخري تعلوه
ادغال كثيفة كان معها يصعب التأكد فيما لو كان المكان خاليا من الكمائن
ام لا، خصوصا واننا كنا نسير عند حافة النهر.
وضع
الكلك في الماء بمحاذاة الضفة وبدا الرفاق وضع حمولاتهم عليه فهم
الرفاق ا.ايمان وا.جهاد بالترتيب والموازنه وانبطح البعض فوق الكلك
للامساك بالحمولة واستعد ا.سحر مع قاذف ال
RBG7 حيث كان
جالسا على احدى حمولات الكلك وكذلك فعل رمضان واخذ الاخرون اماكنهم حول
الكلك وهم مغمورون في الماء الى منتصف الجسم بانتظار اشارة الحركة من
ر.أ.هديل الذي كان قد إطمأن على ان الجميع كان قد صعد او امسك بالكلك
وبينما كان يهم بالصعود الى الكلك سمعت حركة سريعة وسط الادغال فسحب ر،
أ.هديل اقسام بندقيته ووجهها نحو مصدر الحركة فتوقفت حينها.
هم
بالصعود الى الكلك وأعطى الايعاز بان (حركوا الكلك....).، ولم نكن
لنحرك الكلك سوى بضع امتار حتى انهالت علينا كثافة نارية من انواع
مختلفة من الاسلحة فكان رد ر. أ.سحر بقذيفة وامطرهم ر.أ.هديل بصليات
متتالية مصحوبة بصيحات على القوة المهاجمة الغرض منها كان رفع معنويات
المفرزة (لا تخافوا رفاق....كلاك اجذف....هذوله!!! لا تخافوا...) فلم
يتوقف الكمين لا بل زاد من حممه النارية فوق رؤوسنا من قنابل يدوية،
قذيفة RBG
واطلاقات حارقة. لم تجدِ
معها محاولات أ.سحر، أ.هديل ورمضان نفعا حينها سمعنا صوت الرفيق ناهل
ليعلن بانه اصيب(وداعا رفاق... بلغوا تحياتي للحزب... أنا ناهل)،
وأخرون سقطوا في الماء لانهم اصيبوا والبعض رمى بنفسه للنجاة واخرون
دعوا الى سحب الكلك (الذي ثقبت عدد من اطاراته) نحو الضفة والابتعاد عن
مصدر النيران التي لم تتوقف لا بل اخذ البعض من افراد الكمين يتابعون
حركة الكلك ويطلقون النار عليه.
استطاع عدد من الرفاق
النزول من الكلك اثناء وجوده في المياه العميقه والسباحة نحو الضفة
والبعض الاخر ظل ملتصقا به مستفيدا من دفع التيار له حيث ابتعدنا بعض
الشيء عن مصدر النيران التي اصبح فيها التشخيص صعبا في عتمة الظلام،
عندها سحب الكلك الى الضفة التي كانت جرداء ، حاده يصعب الصعود منها
لنكون بمستوى موقع الكمين وحركته. من هذا المكان حاول أ.هديل الصعود في
الوقت الذي فيه كانت عناصر من افراد الكمين تركض محاولة السيطرة من علو
على مكان وجود الكلك عند الضفه وعند سماع ر.أ.هديل لاصواتهم بادر هو
بفتح النار عليهم من موقعه فردوا عليه بطلقات نار كثيفة فأصابت واحدة
منها رأسه فسقى بدمه الطاهر ضفاف دجلة، وبذلك انطفأت واحدة من نجوم
البسالة والاقدام في هذه الليلة الظلماء، غادرنا ر. أ.هديل دون كلمة
وداع.
المفرزة تشتت،
المجموعة التي قدر لها ان تختار مجرى للمياه الربيعية وتصعد من خلاله
الى المستوى المطلوب من السفح لمواجهة حركة عناصر الكمين كانت قد تركت
الكلك وسارت بسرعة بموازاة الضفة حتى وجدت ذلك المجرى لتصعد منه وتبدا
مشوارها بمواجهة عناصر الكمين. رمضان وانا صعدنا ليتبعنا ر. كاوة حينها
سمعنا صوتا ينادي تعالوا رفاق واصوات لحركة اقدام وسط الادغال متجهة
نحونا، عندها سألني رمضان ان كانوا هؤلاء رفاقنا فقلت له اطلق النار...
اطلق النار فاستجاب رمضان للطلب بسرعة ودون تردد بوابل من النيران من
بندقيتة اما الرشاش الذي كنت احمل فقد ابى الاستجابه لمحاولاتي بسحب
اقسامه ، كانت لرشقات النار التي اطلقها رمضان تاثيرا كبيرا حيث اوقعت
بعض الخسائر في صفوف العدو مما أدى الى توقفه من اطلاق النار باتجاهنا
وادرك باننا في موقع دفاعي يؤهلنا للرد عليه. هذا الوضع اعطانا فرصة
لجمع شتات المفرزة فالتقينا نحن الثلاثة بعد فترة وجيزة بالرفاق
أ.عليوي وأ.شهاب واثنين من جماعة الاشتراكي حيث استطاعوا الصعود من
مكان اخر لكن أ.عليوي وأ.شهاب كانا بدون بنادق فطلبت من ر. أ.عليوي ان
يجرب حظه مع الرشاش فحاول ولكن دون فائدة، كان احد الرفيقين من جماعة
الاشتراكي يحمل حقيبة ظهر فيها بندقيتين فاخذ أحدها أ.شهاب والاخرى
أ.عليوي الذي عاد ليبحث عن الرفاق عند الضفة. اما الباقي فقد توزعنا
لحماية الموقع وبشكل دائري حيث كنا نخشى محاولات الالتفاف.اختير الموقع
لجمع شمل المفرزة وتقدير الموقف والاجراء الذي يجب ان نأخذه، لم يمضِ
وقت طويل حتى التحق الرفاق أ.خلود و أبو عزيز وحيدر واثنان من جماعة
الاشتراكي كان أحدهما مصاباً برجله، حينها تيقنا من استشهاد ر. أ.هديل
حيث ان ر. أ.خلود اكد ذلك حيث عاد بحقيبة البريد التي كان يحملها
الرفيق وكان هو بحاجة الى شروال (اخذ شروال الشهيد) بعد ان فقد ملابسه.
ذهب
حيدر و أ.عليوي مجددا للبحث عند ضفة النهر فعادا وتأكد لنا مدى خطورة
جروح أ.سحر و ناهل اللذين كانا قرب ضفة النهر. كنا نسمع أنينهم عندما
تسكن الحركة في المكان. كان الجميع على اتم الاستعداد لفعل شي من اجلهم
ولكن كانت هناك اسئلة كثيرة لابد من الاجابة عليها وبكل دقة لا تحتمل
الخطأ. كان احد هذه الاسئلة هو أليس من المحتمل ان يكون العدو قد وضع
موقعهما هدفاً لضربنا في حال محاولتنا لسحبهم؟ كان يتوجب علينا الاجابة
عليه بالتجرد من العواطف والعمل من اجل تقدير الموقف بشكل عقلاني
واتخاذ القرارات بشكل جرئ وشجاع و سريع و دون تردد. لحسن الحظ كان
الرفاق جميعا بمستوى المسؤولية في مناقشة الوضع على عجل لاننا كنا
محددين بعامل الزمن فكل دقيقة تمر دون اجراء فعلي قد تكلف الجميع
حياتهم فكنا بين خيارين لا ثالث لهما اما البقاء والعمل على سحب الجرحى
ومعنى ذلك البقاء في مكان المعركة على الاراضي العراقية ومواجهةالقوة
العسكرية العراقية بكل امكانياتها او الانسحاب نحوالاراضي السورية
والمحاولة لانقاذ البعض من العدد المتبقي. والانسحاب بزمن الساعتين
والنصف التي نملك (كانت الساعة حينها الواحدة والنصف من صباح
28-9-1984) كان امامنا الكثير من المخاطر التي لا تسر القلب بِدءاً من
الربايا المنتشرة على طول المنطقة خصوصا على شارع البترول حيث انها
جعلت من تلك الليلة نهاراً باطلاقاتها التنويرية والاضوية الكاشفة
ولابد ان الكمائن قد انتشرت في الطريق و انتهاءاً بسباقنا مع الزمن
وبزوغ الفجرعندها لابد ان يكون للقوات العراقية من رد.
ادرك
الجميع عمق المصاب وخطورة الموقف وضرورة العمل بسرعة وعلية جرى الاتفاق
على الانسحاب، حينها جرى الحديث ا لى الدليل رمضان عن موقفة والامكانية
المتوفرة لانسحابنا فأجاب (انا مثلي مثلكم، تموتون أموت معكم، تنسحبون
الان، لان الوقت قليل....)
بدأنا الانسحاب
باتجاه الاراضي السورية حينها كانت مدرعات العدو تجوب الشارع القريب من
الضفة الثانية للنهربحثا عنا. السماء فوقنا كانت مضيئة بفعل التنوير
المستمر والارض بوعورتها أعاقت حركتنا التي كنا نريد لها ان تكون سريعة
فبين الانبطاح اثناء اطلاق قنابل التنوير والتعثر في السير تركنا
موقعنا واتجهنا نحو التلال. كان الجميع متحفز بكل الحواس يترقب ما
سيحدث. اقترح احد الرفاق ومن دافع حرصه على سرعة الحركة ان نترك رشاش
العفاروف العاطل كما كنا قد تركنا اعتدة ال
B10 وغيرها لكننا
رفضنا المقترح تحسبا منا بان المعركة قد تطول حتى الصباح عندها يمكن
اصلاحة وسيكون مفيدا لنا. قطعنا مسافة جيدة نحو شارع البترول من دون
مواجهات، الجريح من جماعة الاشتراكي اصبح يعيق الحركة فأخبرنا مسؤولهم
باننا سنكون مجبرين على تركه ان استمر وضعه بالتدهور واننا تركنا
رفيقين من اجل سلامة المتبقين من افراد المفرزة، فطلب المساعدة من اجل
حمل الجريح الذي أنهك جراء النزيف المستمر فابدى ر.حيدرمساعدة كبيرة
لحين وصولنا الى قرب شارع البترول عندها كان الوضع محرجا والوقت بدا
يدركنا، في ذلك المكان وبينما كنا في اسفل الربيئة المشرفة على شارع
البترول اغمي على الجريح واصبح من الصعب حمله، اقترحنا على رفيقيه
بتركه خوفاً من كشف مكان عبورنا لشارع البترول، كانت مقدمة المفرزة في
هذه الاثناء قد استطلعت وتأكدت من خلو الشارع من الكمائن عندها بدأت
العبور وبينما الذين كانوا في مؤخرة المفرزة (حيدر وانا و اخر من جماعة
الاشتراكي) بقينا مع الجريح وعيوننا تراقب عبور اخر رفيق حيث يأتي
دورنا لعبور الشارع من بعده، عندها تركنا الجريح واسرعنا الخطى لنجتاز
الشارع باختزال اجسامنا الى النصف والاستعداد للزحف والدحرجة وكان لنا
ذلك بعد ان وطأت اقدامنا الجانب الثاني من الشارع لينتهي بنا عبور
الشارع الى واد طويل اظنه كان ذات الوادي وذات النقطة التي عبرنا منها
في طريق الذهاب. ولم تمر سوى دقائق معدودة من نزولنا الى الوادي حتى
تناهى الى أسماعنا صراخ جريحنا المتروك في سفح الربيئة وتلته اطلاقات
نارية وتنويرية كثيفة جعلتنا نحث الخطى لندخل في سباق مع الفجرفي بزوغه
فالساعة الان بحدود الثانية والنصف صباحا وكان امامنا ساعة واحدة ونصف
الساعة لنصل الى الشارع الحدودي الفاصل بين العراق وسوريا، حينذاك كان
بامكاننا القول باننا تجاوزنا الخطرخصوصا اننا لم نكن لنعرف ما تعده
القوات العراقية لنا. كان الجميع قد انهكهه التعب ولكن علو المعنويات
والتماسك المتين لهم خفف من أعباء التعب وسهل من خطورة الموقف. كانت
خيوط الفجر الاولى لازالت في غفوتها عندما أجتزنا الشارع الحدودي
الفاصل و بخطوات معدودة عبرنا الحاجز الترابي ومن بعدها سرنا مسافة عشر
دقائق لندخل الاراضي الزراعية للقرية السورية. كانت لنا استراحة قصيرة
تبادلنا اثناءها المعلومات عن الشهداء والجرحى والمفقودين، واصلنا
بعدها المسير نحو المخفر الحدودي السوري فابلغناهم وارسلنا في طلب
الرفاق الذين كانوا في القرية المجاورة لنخبرهم بما حدث.
الرفاق الذين
استشهدوا في هذه المعركة
أبوهديل(عبد الكريم
جبر) ، أبو سحر(صالح.......) ، ناهل(نجيب......) ، د.أبوظفر(محمد.........)
أبو
ايمان(راضي.......) ، أبو جهاد(هاشم جهاد سيف)
ورفيقان من الحزب
الاشتراكي الكردستاني هما سالار و جميل
بحلول
هذه الايام يمر عشرون عاما على ما حدث في هذه الليلة ووفاءا لشهدائنا
الذين ضحوا بارواحهم من اجل عراق ديمقراطي. ارى انه من الواجب علينا ان
نتذكرهم ونسجل مآثرهم وبطولاتهم. المجد لشهدائنا ابطال معركة هذه
الليلة.
مفارقات
الرشاش الذي عدنا به
الى القامشلي اتضح ان الرفيق المكلف بحملة لم يكن قد ركب اجزائه بصورة
صحيحة.
اكتشفت بان حقيبة
الظهر التي كنت احملها كانت قد ثقبت بفعل طلقة نارية ومن حسن حظي انني
كنت احمل بداخلها مسدسا تلقى الضربة وتشظى ليثقب رزمة من الاوراق
النقدية التي كانت ضمن البريد الحزبي. وبذا اعطاني هذا المسدس فرصة
للعيش لاكتب هذه السطور.
أبو وسن
كتبت هذه السطور يوم
4-10-1984 ونقحت 1-8-2004
*************************