الطريق 5 الثقافي

من مواد العدد

في الذكرى العاشرة لرحيله

جاويد يستذكر هادي العلوي

القدامة الماضوية الجديدة ديمومة ام تقليعة

د.رياض الاسدي

رؤيا الغائب

زهير كاظم عبود

الجمرة الخبيثة

سافرة جميل حافظ

قراءة جديدة في غريب على الخليج

د.ثائر العذاري

رحلة الألف ميل

ناهض الخياط

 *******************

 ملف العدد

 راهن الثقافة العراقية: ساهم فيه

 الراحل محمد مبارك، الفريد سمعان، فاضل ثامر، اد مجيد حميد جاسم، احمد خلف، ناطق خلوصي، علي الفواز، مقداد مسعود

 ************

كلمة العدد

 عن راهن ثقافتنا.. ونحو ثقافة وطنية راسخة

 حنون مجيد

عن ثقافة بلدنا الراهنة يدور الحديث الآن. وهو حديث مفرط في حساسيته ومفرط في تأويلاته يترجح بين مسؤولية فردية وأخرى جماعية، مكتوم تارة، معلن تارة، لكنه وفي تحصيل حاصل أربع سنوات كان وما يزال اشبه بصرخة في واد واسع الأرجاء عريض الآماد.

ولما كانت ثقافة أي بلد تنطوي وبشكل سافر على صورة حضارته، بل غالباً ما تقاس حضارات الشعوب وفق ما وصلت إليه آدابها وفنونها، فأننا نرى أنْ آن الأوان لنلم أوراقنا ونتفحص هويتنا من خلال كل ما قلناه ونشرناه وأديناه، فلا يعدو القول؛ ان مع التحولات الاجتماعية الكبرى تتم تحولات ثقافية موازية، الا بديهة او معادلة طرفاها النابضان التأثر والتأثير بفعل ما يتقاسمهما من تجاذب مشترك بل وتبادل في مواقع الطرفين.

بعد التحولات التي جرت في العراق منذ ما يزيد على الأربع سنوات انطلقت على الصعيد الثقافي الوطني ثقافات "ماردية" متنوعة من قمقم بحجم جبل، نفضت عن طروحاتها وتطلعاتها الكامنة في الوعي واللاوعي مجتمعين، غبار الصمت والكتمان وشمرت عن طبيعتها "الماردية" بكل ما امتلكته من خزين ظل مركوماً ومركوناً في زوايا التربص والانتظار- سنين طوالاً.

الثقافة العراقية اليوم ثقافة اختلاط واضطراب، بل تصل في بعض اوجهها الى ثقافة افراد وأعراق وأجناس قد لا تتميز مستقبلاً بوحدة عضوية الامر الذي يعرضها الى الخطر قبل ان تتبلور في هوية واحدة عريضة وشاملة هي الهوية الوطنية التي عرفناها في هويتنا الثقافية العراقية على مدى عقود من السنين كان الادب العراقي فيها ورغم التحديات راية شماء.

ولنا هنا ان نتساءل من منطلق الحرص على ثقافة جديدة لا نريد لها الا ان تكون صورة لمطمح كل وطني غيور، ثقافة تحقق حيويتها في الانتاج وارتباطها بالمضمون الانساني العام واندماجها مع التطورات الجارية مع استقلالية في الممارسة والاداء.

نعم.. من منطلق هذا الحرص نتساءل عن السمات السائدة في الادب العراقي وقدرته على تحديد هويته الثقافية الآن، وهل استطاع المثقف العراقي بثقافته المطروحة اليوم انتزاع حقه من السياسي الذي يشكل بؤرة الفعل في متغيرات الواقع العام.. هل ارتهن الادب العراقي الى الواقع الصعب بما فيه من تعددية في الاختيار، وهل ثمة بوادر فيه تشير الى نهوض بصورة من الصور للرفض الشعبي لبلوى الاحتلال.. ما موقف هذا الادب من الاشكال المسلحة متعددة الاطراف والاهداف التي تعمل في بؤر ساخنة يستباح فيها المواطن بدل المحتل في اغلب الاحوال؟.

ما حكم ثقافة محددة باطار نزاعي تارة ومختلط ثانية تراودها وتضغط عليها في الوقت نفسه آليات ودوافع من الآخر المتطور ذات وقع متسارع وثقيل ومغاير، وتحت مصطلحات آخذة بانتشار النار في الهشيم من قبيل الحداثة والعولمة والقرية الصغيرة وسرعة الاتصالات وثورة المعلومات؟

ما موقف الثقافة الوطنية القائمة في الصلب من هذه الفوضى السائدة الآن من انتشار الثقافة الاستهلاكية واستفحال الصورة الاعلامية التي تشكل في الكثير من محمولاتها غسيلاً لثقافة وطنية رصينة وهادفة.

من صلب هذا الموضوع المزدحم بحيوية التعدد وفوضى التزاحم على تحقيق الذات وبما يشكل تهديداً لطابع ثقافة وطنية راسخة انطلقنا بسؤالنا عن راهن الثقافة العراقية. منطوياً تصريحاً وتلميحاً على الكثير مما المحنا اليه.. انطلقنا به نحو نخبة من مثقفينا في دعوة لاستقصاء آرائهم وللاستبصار بها عسى ان تكون منطلقاً نحو واقع ثقافي جديد يسهم فيه الثقافي والسياسي معاً بما يمتلكان من قوة في الأثر والفعل والتنفيذ.. راهن الثقافة العراقية سؤال يتمحور على أكثر من سؤال وهو دعوة الى ذوي الشأن فهو قضية وطنية لا تقبل التأجيل.

***************

 الثقافة.. اولاً!!

 الراحل محمد مبارك

يبدو اننا، باستمرار، في حاجة الى توكيد حقيقة ان الثقافة صناعة انسان. وان هذه الصناعة اخطر من اية صناعة في أي مجتمع وابعد آثاراً، ذلك انها تتصل بما ينتظم العقل البشري  من ثوابت نظر وسياقات تفكير تتشكل بها ومنها بنيوات هذا العقل النظرية والعملية. فإذا تـمّ استبدال هذه الثوابت والسياقات كان الانسان نشأة جديدة وقوة قد لا تضاهيها القوى المادية بكل ما تنطوي عليه من طاقات وامكانات غير محددة؛ وضمناً للمجتمع الذي ينتظم هذا الانسان دوام الازدهار والتطور والسيطرة على ممكنات الصيرورة للافضل فالافضل، بدل ان يظل قابعاً في دهاليز فوضى قد تعصف به في أي منعطف من سياقات سيرورته التاريخية وضياعه في متاهات هذه السيرورة.

وتحقيق ذلك، ان الانسان من حيث هو كينونة ذات نزوع غائي لا يريم او يفتر في كل ما يصدر عنه من نشاط او فعل، انما هو القوة الفاعلة في حياة أي مجتمع التي تقابل الطبيعة وقواها وتستطيع استثمارها فيما بعد على المجتمع بكل ما ينفع ويفيد. وذلك كانت اعادة تشكيل ثوابت الانسان وسياقات ذهنه في النظر والتفكير والفعل وردود الفعل بما يستجيب لمطالب العصر وضرورات الصيرورة التاريخية، تجعله قوة في التغيير والبناء لا ترقى اليه قوة اخرى مما يضم المجتمع والطبيعة. ومن ثم قيل في ادبيات الفكر والنظر، الانسان اثمن رأسمال في الوجود؛ لان الطبيعة بكل غناها فقيرة حتى يأتي الانسان فيفجرها بما لا تحلم به من طاقات وثروات وقوى غير محدودة في عطائها وتمخضاتها. لعل تجربة اليابان، بعد خروجها منهزمة في الحرب العالمية الثانية مثقلة بخراب حرب رعناء كانت خاتمتها في هوريشيما وناكازاكي ، يبرر لنا ما ذهبنا اليه من فهم. اذ حزمت امرها على اعادة بناء سياقات وثوابت عقل انسانها قبل ان تشرع بأي شيء آخر ولم تلتفت حتى الى القصر الامبراطوري وما حل فيه من الخراب الا بعد مرور عشرين عاماً امضتها في عقلنة مناهج التعليم واستبدال ثوابت الفهم والنظر باخرى يقتضيها العصر في تطوراته العلمية والتكنولوجية؛ ولما سُئلت عن نهجها هذا، اجابت –أي اليابان- اننا جزر محاصرة من كل جهاتنا ولا نملك ما يملك الاخرون من ثروات وطاقات، وليس لدينا غير انساننا، فهو ثروتنا والقوة التي سنكون بها امة جديدة في مناحي فكرها وفهمها، بعد ان بددنا طاقاتنا على مدى اكثر من قرن في لوك شعارات المجد والتفوق واحتقار الاخر و"كح الاباعر".

وهنا لابد من الاشارة الى ان الثقافة لا تقوم بالفُتات اذ لا تحتاج من غيرها الى رصد الكثير من الاموال والثروات واتاحة الكثير من الفرص للنمو والتطور؛ ولا تنفع معها ما تردده وزارة ثقافتنا "ماكو امكانيات او صلاحيات" ولا تبنى بـ"الفزعة" و"القشمرة" و"شيّمه واخذ عباته".

واظن ان اليونان في لحظات انبعاثها الخطير في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، قد دعست على هذه السبل. فرغم تواضع امكاناتها، كانت ترفد حقول الثقافة من الفكر حتى المسرح بكل ما يعين على الازدهار.. وكذلك كان العرب ابان عصور زهوهم وظهورهم القوى.. ولا يطلب من الثقافة ان تكافئ ما يبذل في سبيلها من ثروة في الحال او المدى المنظور، لان اثارها تظل غير منظورة وان شملت كل شيء.. فجاءت بعقل في منحييه النظري والعلمي، يستطيع ان يبدل الارض غير الارض وينوش السماوات فيحتويها ويضع المجتمع في الصلب من حركة تطورية صاعدة تحقق للشعب السعادة والمجد والقوة.

***************************

 حاضرنا الثقافي

يحتم علينا راهن ثقافتنا، تحديد السمات الفكرية للمرحلة الحالية، التي مازالت بعض بوادرها الايجابية في حالة مخاض عسير من اجل البروز والتجلي الكاملين، حيث يمكن ان يشير علينا بنوع الصراع الذي تخوضه ثقافتنا الوطنية ضد الثقافات الوافدة بدافع من مجريات الواقع الجديد، ولعل من ابرز الاشكال الثقافية والفكرية الهجينة والمتسللة عبر الحدود، هي ثقافة المحتل، اضافة الى ثقافة العنف والاهارب، وما الصراع الدائر بين هذه الثقافات الغريبة وبين ثقافتنا الا احدى السمات الفكرية لهذه الحقبة او المرحلة.

احمد خلف

اذ تحاول هذه الثقافات ان تعطي لنفسها الحق بالتسيد والسيطرة على ساحة الثقافة العراقية ولو بمفردات القوة واساليب الاغراء، لكن الواجب يفرض على ثقافتنا المتمترسة في موقعها الملائم والذي يعطيها الطاقة والحق في التصدي لثقافة الغرباء على مختلف جنسياتهم واهدافهم وهذا ما يوجب عليها خوض الصراع ضد اشكال الهدم والخراب دون تردد او الشعور بالاحباط، انها ماتزال (هذه الثقافة) تتمتع بامتدادها الطبيعي مع المنتج الفكري والابداعي، الذي انجز في حقب سابقة لراهننا، والذي يشكل لبنة قوية المعالم من ثقافة الاربعينيات والخمسينيات والستينيات ايضاً (ثقافة الرصافي، الزهاوي، الجواهري، طه باقر، جواد علي، المخزومي، علي جواد الطاهر، السياب، نازك، عبدالملك نوري، التكرلي، مهدي عيسى الصقر، البياتي وفاضل العزاوي وغيرهم آخرون) وما لم تستند الى تلك الارضية الصلبة العريقة، فإنها سوف تصبح هامشية وغير قادرة على التصدي للثقافات الهجينة ومقارعتها.

ان حصر مفهوم الثقافة بالمنتج الابداعي وحده (شعر، قصة، مسرح، فنون تشكيلية) امر يبدو في غاية التسرع والابتسار، فالثقافة في مفهومنا العام، ينبغي ان تحتوي في انتشارها وتجسيدها الواقعي الملموس، على كل ما يشغل الناس في المنزل والشارع، ومن المذياع البسيط الى القنوات الفضائية، مروراً بوسائل الاتصال المعقدة الاخرى، لذا، فالجمهور يعطي اهمية استثنائية لوسائل الاتصال المقروءة والمسموعة والمرئية التي تحيل العالم الى مجرة كبيرة تدور حول نفسها.. اذن، ينبغي التوسع في مفهوم الثقافة ليشمل مرافق متباينة من حياتنا اليومية، وليصبح هذا الراهن مطالب بأخذها (الثقافة) مأخذ الجدية، وهو يتجلى (راهنها) يوماً اثر آخر على انه حامل عبء الهوية الوطنية رغم اشتداد الصراع بوتيرة متصاعدة مع قوى الظلام والعنف الطائفي سيئ الصيت..

لقد تساءل العديد من المثقفين العراقيين، وهم يرون وطنهم كيف تهدر كرامته وشعبهم كيف يعاني ازمات لا طاقة او مقدرة لديهم على معالجتها، تساءلوا: ما الذي نفعله إزاء هذا السيل العارم من الضحايا والموت والدم وعصابات تدمير البنى التحتية للبلاد التي غادرها السلام؟ مع ان البعض الآخر ظل ينظر الى الثقافة كدرع حصين وسجل مهيئ لتسطير آلام الشعب المقهور وآماله في ضم هذه الدوامة، التي يطلق عليها العقل الامريكي: الفوضى الخلاقة، مع انها فوضى اكتسحت الكثير من معالمنا الحضارية والتاريخية، نبيلة المنشأ كجامع الخلاني الذي يعتبر مفخرة العمارة العربية والريازة الاسلامية، وليس جسر الصرافية ذو الهندسة النادرة، ببعيد، وهل شاهدتم ما حصل لمسرح الرشيد من دمار، جعله مجرد بناية خاوية خربة يعمها الصمت والتراب، مع اننا ينبغي ان  نجعل الصفحة  الاولى من خسائرنا المؤلمة؛ هو؛ ما حصل لشارع المتنبي ومكتباته القيمة الثمينة، وليس اغتيال الصحفيين والاطباء الماهرين واساتذة الجامعة الاكفاء ، الا دليل ساطع على معنى الصراع وجوهر كينونته..

ترى الا تكفي هذه الشواهد الدامغة لاعطاء القارئ جانباً مبرزاً من سمات راهن ثقافتنا؟ ولا ينكر ما للتضخم الاقتصادي وتردي حال السوق العراقية من دور كبير في تعطيل عجلة صناعة الكتاب الثقافي والفكري في دور النشر في القطاع الخاص، والتي كان متوقعاً قيامها بعد 9/4/2003 حيث كانت الدلائل تشير الى قيام حركة فاعلة في دور النشر والطباعة، مرتقبة، لكنها ظلت على ما هي عليه من معاناة واهمال، ورغم  ان انتشار الصحف اليومية، التي اطلقتها الحرية الفكرية وشجعتها حرية التعبير في العهد الجديد، قد عوضت عن النقص الملموس في انتعاش المطبوع الثقافي، رغم ان عوامل توزيع الكتاب (بل عموم  المطبوعات) ظلت كما هي عليه من خيبة واحباط، ومنذ عشرات السنين وحتى الان، و قد زاد من تعثر عملية انتاج الكتاب وتوزيعه انعدام الامن  والاستقرار، سواء في العاصمة بغداد او على الطرق الخارجية بين المدن والقصبات.

على اننا نستطيع تلمس بوادر التطور الحضاري والتفتح الفكر والثقافي، عبر النشاطات الادبية والثقافية والفكرية، كتلك التي يقدمها الاتحاد العام للادباء والكتاب، وبصورة دائمة ومستمرة، ناهيك عن عدد مماثل من النشاط الفكري والثقافي تنتجه جمعيات وهيئات المجتمع المدني والحكومي، وما النشاطات المتكررة التي تبثها الفضائيات من برامج المرأة وتطور آفاق عالمها الجديد، إلا دليل بيّن على ان الثقافة تستطيع الدفاع عن وجودها الحيوي الفعال في الحياة اليومية، ان تراكماً في المجال الثقافي سوف يفرز (حتماً) عناصرها المنتقاة والتي تملك الكثير من عوامل الديمومة في العطاء الدائم والمؤثر في راهن ثقافتنا الوطنية.

medkh03@yahoo.com

     

 *********************

 الإطار والصورة في راهن الثقافة العراقية

 "يجب توظيف هذه الانتقادات، كوقود وعنصر مولد للطاقة من أجل المضي قدماً الى الأمام"

(فاطمة المرنيسي)

مقداد مسعود

 في مثل هذه اللحظة العراقية المنجسة بالدم العراقي الطهور، هل يعتبر مساهمة الدولة في صياغة الهوية الثقافية الجديدة، ترفاً لا داعي له؟ وستكون المساهمة من خلال اعداد خطة تنموية ثقافية تدعو فيها المثقفين العراقيين لاعداد ورقة عمل ثقافية، اذ لا يمكن يناء دولة جديدة بدون بناء مجتمع جديد، يكون فيه للثقافة حضورها الفاعل، من أجل تأسيس نسق ثقافي يحتوي كافة عناصر ثقافتنا العراقية المتعددة والمتنوعة. حتى نتخلص من (ثقافة المهرجانات) ونحول ميزانيتها الى مشاريع تنموية ثقافية اكثر جدية لقد ورثنا (ثقافة المهرجانات) ضمن التركة الثقيلة التي خلفها النظام المقبور.. للاسف ما يزال القائمون على الثقافة العراقية، ومن دون قصد سيء، يكررون إنتاج سيئات النظام الفاشي.

ترى الا يمكن توفير البدائل الثقافية، بل وقيام المهرجانات بطريقة اكثر عقلانية وتخطيط وعدم استحواذ المركز على الهوامش الا يمكن تخليص الفضاء العراقي من هذا المستعمل حد الاستهلاك؟ آن الاوان من خلال تحويل النقد الى مصدر منهجي للمعلومات ان نقوم بـ(عزل مصدر الخطأ).

يجب ان يتزامن بناء دولة العراق الجديد، مع بناء المجتمع العراقي الذي قوضته الفاشية طيلة أربعة عقود. لكن الجدير بالمناقشة والمراجعة هنا ان السياسي لا ينظر الى المثقف كقسيم في عملية التأسيس، بل كتابع يستعمله السياسي عند الضرورة القصوى  لمشروعه هو، أما مشروع المثقف حول التنمية الثقافية فهو مغيب او حاضر مع وقف التنفيذ لأن السياسي لا يرى في الثقافة -للأسف- مساهمة جادة في المشروع الوطني النهضوي. بل أحياناً يكون مشروع السياسي المناهض للمحتل وكأنه مشروع دولة مضادة اكثر مما هو مشروع يصب في التوجه الصحيح لعراقنا الجديد.. يحمل علاقات اجتماعية سياسية حداثية.

السياسي بحماسه وارتجاله أحياناً يسعى الى تسوية فورية وفوقية لكافة الاختلافات والتباينات ويتعامل مع الثقافي بأبوية (القائد/ الراعي/) لا يمكن ان يقوم مهرجان او احتفال دون يافطة تعلن (برعاية..) وتكون النتيجة هو تهميش التنوع في الاختلاف، ومكيجة (مكياج) تجاعيد اللحظة المحتدمة/ وإقصاء المثقف العفوي وسيادة المثقف النمطي/ التقليدي/ الصالح للاستعمال للمناسبات كافة.

الراهن الثقافي، ملجوم بالراهن السياسي المحتدم، مما يجعل اللحظة الثقافية العراقية تكابد من جراء شروط قسرية هي الاشد قساوة: كيف تتحرك الثقافة العراقية، والبيت العراقي عرضة للتهجير والذبح على الهوية والخطف؟والمثقف العراقي الذي عانى من النظام تصور ان سقوط النظام يعني انتهاء زمن التابوات فأذا به يصطدم بتابوات يتكاثر بالانشطار الذاتي  كالاميبيا تابوات تجيد العد الى ما لانهاية. تابوات تستأطل في حريةالمثقف والمواطن العراقي معا.هذا الامر يدفعنا الى التساؤل متى يكون لدنيا ما يعرف بالمجتمع المدني لنعرف الاستقرار الاجتماعي/السياسي عبر التدخل السلمي والاقناع والاجماع..

بعد سقوط الطاغية توفرت لنا فرصة كبيرة لنمارس منظمات المجتمع المدني فاعليتها في إشاعة الحوار الديمقراطي والمصالحة الوطنية/ فإذا بأصحاب السوابق ينتهزون الفرص ويؤسسوا منظمات وهمية لغرض تجاري هو زيادة مداخيلهم الشخصية... علينا ان نعي جميعا (ان الإبادة الثقافية تتربص بكل الذين لم يتعلموا مبادئ الحوار)على حد قول  الباحثة فاطمه المرنيسي. ذلك لان ثقافة الحوار ترى في الآخر المكمل الحقيقي للانا  ويتجسد ذلك في منظمات المجتمع المدني:الثقافية/ التربوية/ النقابية مثلما هي  محكومة  بالشرط السياسي فأن راهنية الثقافة العراقية ملجومة برهاناتها الثقافية وعليها ان تستأنف دورها الفاعل والمؤثر في سيرورة المجتمع العراقي بعد القطع الفاشي ووعيه الزائف منذ 8شباط 1963 حتى السقوط.. علما ان هذه الرهانات ليست مؤطرة في بنيتها الثقافية وحسب بل هي (علامات أوضاع اقتصادية واجتماعية).

رهانات ثقافية تجد نفسها للمرة الاولى في سياق المجتمع يسعى نحو ديمقراطية حقيقية رغم التفخيخ ومشتقاتة

ان تأزم وتصعيد دموي من هذا الطراز يشترط على لحظتنا الثقافية امتلاك التوري المطلوب من اجل تحديات الاندراج في الحداثة لا كمقولة مقعرة او محدبة. بل كعلاقة انسانية/ يومية/ مستوعبة لثقافتنا العراقية العميقة بكل أبعادها ومداياتها وتمفصلاتها وأتصالاتها المتنوعة مع عقلانية المنجز المصرفي في الحواشي لعالمنا المعاصر

**************

عشية النهوض  من الرماد..

  طائر الفينيق وراهن الثقافة العراقية

 بقلم: أ.د مجيد حميد جاسم استاذ الاسلوبيات الادبية

جامعة البصرة

 تعد "الثقافة" الحصيلة الكلية للدين والأخلاق وطريقة العيش واللبس والأكل والعادات الاجتماعية والتقاليد السائدة، والأدب والابداع جزء من ثقافة أي مجتمع. والأدب بطبيعته مرآة عاكسة لواقع الحياة بكل وقائعها وتداعياتها يمتزج بها شيء من الخيال والفنتازيا ليكون مقبولاً ومستساغاً، لأنه بدون الخيال تعافه النفس وتمله الروح لثقل الواقع ومراراته في كثير من الاحيان، وبدون الواقع لا يقبل الأدب بوصفه محض خيال فحسب لأن الخيال ابتعادً عن وقائع الحياة وتفاعلاتها.

 ولما كان الأدب يعكس معطيات الحياة ويعالج مشكلاتها بشيء من التحليل والدراسة والمعالجة، فأن واقع الأدب العراقي لابد أن ينظر ببصيرة ووعي الى ما يدور على ارض العراق في الوقت الراهن وقبل ذلك التداعيات السياسية والاقتصادية التي آلت الى الظروف الراهنة التي وجد نفسه العراق ضحية لها يتخبط في شعوائها ويتمزق ألماً وينزف دماً غزيراً..

وثمة حقيقة صحيحة لا تقبل الشك ولا تداخلها الريبة مفادها ان الكتابة عن الاحداث المهمة في تاريخ الشعوب والأمم والتي تغير من مسار التأريخ فيها لابد ان تكتب بعد الخروج من بوتقة تلك الاحداث لتكون لدى الكاتب رؤية تحليلية صحية لما جرى من احداث لأن الانسان بشكل عام والكاتب بشكل خاص لايستطيع رؤية الاشياء الا إذا ابتعد عنها لتكون رؤيته موضوعية ومنطقية، ولهذا قيل سابقاً "اذا أتسعت الرؤية ضاقت العبارة" اي انه بوسع الكاتب أن يوجز ما يريد قوله اذا اتضحت له الرؤية واستطاع ان يرى الاشياء على ما هي عليه دونما تزويق او تزييف او تجميل، وهكذا كتبت أعظم روايات التاريخ تألقاً وأهمية في المنجز الأدبي العالمي كروايات "البؤساء" و"الحرب والسلام" و"الاخوة كارامازوف". ويتفق النقاد ان هذه الروايات قد كتبت بعد ان مرت فترة كافية على الزمن الذي وقعت فيه أحداثها فكان لكتابها الوقت الكافي لكتابة تلك الروايات بموضوعية وأنصاف واعطي لكل ذي حق حقه وان كان كل ذلك على وفق رؤية الروائي الشخصية وهذا أمر طبيعي.

وثمة اتجاهات ثلاثة مختلفة في السعي لكتابة الأدب العراقي الراهن سواء أكان أدباً روائياً، او مسرحياً، او شعرياً، والاتجاه الاول في هذا السياق هو اتباع المشهد الثقافي للغرب، اي دراسة ما تم انجازه في الغرب على صعيد المنجز الابداعي لأستكناه ماهية ما كتب من ادب في تلك البلدان التي عاشت في خضم مخاض الحرب العالمية الاولى والثانية، او الثورة الفرنسية او الثورة الصناعية او الحرب الاهلية الاسبانية. وهذا الاتجاه لابأس به، فليس من المعيب ان نستقي من تجارب الامم والشعوب التي سبقتنا في تجربتنا نحن، لكن لابد ان نأخذ بنظر الاعتبار الاختلافات الثقافية لمجتمعنا العراقي ازاء تلك المجتمعات الغربية. ولكن دراسة تلك التجارب ستغني تجربتنا المحلية خير إغناء. اذ انها ستمنحنا القدرة على الكيفية التي تمت فيها معالجة مختلف الاحداث والارهاصات.

اما الاتجاه الثاني المتاح لنا الافادة منه فهو تجارب الشعوب العربية في النضال ضد الاستعمار والاحتلال الاجنبي الذي طال كل البلاد العربية  من المحيط الى الخليج والتي توزعتها قوى الاستعمار من الاستعمار الايطالي الى الاستعمار الفرنسي والاستعمار البريطاني والبرتغالي الخ.. وكذلك الاحتلال الصهيوني لفلسطين. ولا بأس ان نستفيد من تجربة الشعوب والبلدان العربية في كيفية تعاملها مع اصناف الاستعمار والاحتلال هذه وان نقتبس من الخصائص الايجابية لاداب تلك البلدان وتوظيف تلك الخصائص خير توظيف وتحاشي نقاط الضعف والهنات التي تحفل بها اجناس الادب لبعض تلك البلدان السابقة الذكر ولاسباب قد تكون سياسية او اقتصادية.

اما  الاتجاه الثالث والاخير فهو في انتهاج الخط المحلي الخاص الذي بدأ في الروايات التي برع فيها غائب طعمة فرمان وكما فعل في كتبه أثر تأثره برواية فوكنر "الصخب والعنف" ورواية فؤاد التكرلي "الرجع البعيد" اذن فهناك بدايات لابأس بها في المنجز الادبي العراقي ويمكن مواصلة ذلك مع ما أتاحته التقنية الحديثة في المشهد الراهن. ان راهن الثقافة العراقية المتوزع بين اجناس الادب المختلفة هو ما يعنينا في مقالنا هذا . فالظرف العصيب الدامي الذي مر به العراق منذ حقبة الحرب العراقية الايرانية 1980- 1988 وما رافقه من انعكاس التعبئة العسكرية على كل مناحي الحياة لثمان سنوات متواصلة وصدور العديد من الاعمال الادبية التعبوية المقصودة في تلك الفترة والتي كان يرصد لها وحدها دون سواها الميزانية المكتنزة و"قصص قادسية صدام" والمسابقات التي كانت تجرى على مستوى القصة القصيرة والرواية والمسرح والشعر والفن التشكيلي. وقد كتب العديد من الكتاب العراقيين اللامعين في هذا الاتجاه في تلك الفترة. ولقد كانت تعبوية في اهدافها، إذ كانت في الاعم الاغلب تنقصها الجوانب الفنية المطلوبة. ولم تكن تصدر بحرية، بل كانت تصدر وفي وعي الكاتب انه يكتب تحت عين الرقيب، ولهذا كان عليه ان يكتب ما يريد الرقيب ان يراه. كما وان الهدف من ورائها كان ربما الحصول على بعض المردود المادي، ولهذا لم تكن هذه الاعمال لترقى الى مستوى العناوين الكبيرة لبعض الروايات العالمية. وهكذا لم تعلق في ذاكرة القراء من بعض عناوين تلك الحقبة الا القليل وقد كانت تتناول ادب المعركة ولم تكن تتناول حياة المجتمع وواقع الحياة في المدينة او الريف، بل كانت تتمحور حول المعركة نفسها وتصف جبهات القتال وطبيعة المعارك والمواجهات المباشرة، ولم تكن تنتقل الى البيوت والمدينة والشوارع الا ما ندر وإن فعلت ذلك فلماماً.

وكان أمام ادباءنا في العراق خزين هائل إبان العدوان الامريكي على العراق الذي هدم البنية التحتية للعراق برمتها وهدم كل ما انجزه العراقيون خلال ما مضى من السنوات الطوال وبناه بجهده وصبره وعرقه وثرواته وتضحياته وحياة ابنائه وكنا نعرف ان البناء يتطلب تضحيات مثلما يتطلب القتال تضحيات وخسائر. ومثل هذه العدوانية والشراسة كفيلة بأن تثير مكامن النفس لدى الانسان العادي فكيف اذن سيبدو الامر مع الكاتب المرهف الحس والشاعر الرقيق والمسرحي والقصاص الواسع المخيلة. إذ ان مثل هذه الموضوعات تبرز المظاهر الدرامية للتشويق وتصاعد التوتر ومن ثم الذروة في العمل الفني او الادبي.

وبعد ذلك بدأ الحصار الاقتصادي ضد العراق وتواصل هذا الحصار القاسي حوالي ثلاثة عشر عاماً طويلة ومجدبة ذاق فيها العراقيون الكثير من الوان الالم وعانوا بصدق الضنك والفاقة والحرمان وكان فيه على طول الخط ثمة صراع متصاعد بين العراق من جهة وامريكا من جهة اخرى ثم جاءت الحرب الاخيرة التي مزقت بناء العراق وهدمت مؤسساته العلمية والطبية ومراكزه البحثية  وجامعاته وكذلك الجسور ودور العبادة. واسقطت هذه الحرب الدولة برمتها ولم تسقط نظاماً سياسياً قائماً فحسب. ولا زال العراق يدفع ثمن هذا التمزق في اهم مقومات الحياة من الماء والكهرباء والطاقة الخ..

ثم بدأ مشوار العناء الجديد الذي لم يألفه العراقيون من قبل. وهذا الفاصل الجديد يمثل انعطافة خطيرة في صميم حياتهم ومسار مستقبلهم كشعب له تأريخه المشرق وتراثه الثر وتأثيره المشهود في سياق المجتمع الدولي. هذا الفاصل بدأ يثير الكثير من التساؤلات العميقة في صميم ضميرهم، تساؤلات حقيقية عن حقيقة مجتمعهم وهل ما يحصل فيه من تمزق  وتقتيل وتهجير هو نابع من نسيج المجتمع أصالة أمْ انه خارجي ودخيل وغريب عليه، وكيف يكون الامر كذلك، وهذا الهاجس بات متغلغلاً في باطن علاقات الناس في كل حي ومدينة وشارع..

وهذه السلسلة الطويلة من انواع الصراع المختلفة التي مر بها الشعب العراقي لابد ان ترتسم خطواتها وتاثيراتها العميقة في تلافيف الذاكرة العراقية المنهكة لابد ان تنعكس بشكل او بآخر على واقع حياتهم المرير. وكان لابد ان يتصدى المثقفون من ادباء وفنانين وكتاب وصحفيين الى هذا الواقع المر فينعكس في كتاباتهم على تباينها وتنوعها. فكان في البعض انعكاس فوري آلذي يعتمد على رد الفعل الفوري. ورد فعل كهذا قد يفتقر الى العمق المطلوب وصواب التحليل والاستشراق المنطقي للمستقبل. إزاء مشهد معقد مثل هذا المشهد صار لزاماً على المثقف العراقي ان يشرع بالكتابة التحليلية العميقة المكتنزة بالفكر والرؤية المستقبلية الواعدة والرصانة الابداعية الخلاقة التي تحتكم الى المنطق والتصور العقلاني والوجداني للوقائع. والكتابة الابداعية الخلاقة لابد ان تنعكس على واقع المسرح والتلفزيون والسينما خاصة، اذا ما استثمرت على أحسن حال لمعالجة الكثير من مشكلات المجتمع لتقويم كل مظهر من مظاهر الثقافة وجوانبها بدوره الريادي المطلوب الذي لم تنهض به هذه المظاهر في العراق كما استثمر في مصر او الجزائر، إذ تبنت السينما المصرية اغلب الروايات التي ابدع فيها يراع نجيب محفوظ واحسان عبدالقدوس  ومحمد عبدالحليم عبدالله وفتحي غانم ود. يوسف ادريس ويوسف القعيد وجمال الغيطاني. وساعد في شيوعها شيوع اللهجة المصرية في الوطن العربي عبر شيوعها في الدراما التلفزيونية. ونجحت الجزائر محلياً ولم تنتشر عربياً لصعوبة لهجتها  المحلية على العرب. في حين راحت السينما العراقية على استحياء تعالج سينمائيا روايات عبدالرزاق المطلبي وعبدالرحمن مجيد الربيعي. وأني لعلى يقين ان نتاج الثقافة الراهنة مثل هذا سيكون رائعاً ومختلفاً في موضوعه عما ألفه الناس في صناعة السينما المصرية وسيجعل الكثير من مبدعي السينما يلتئمون للعمل كخلية نحل في العمل الممتع الخلاق وسيكون مصدراً موثوقاً من مصادر التاريخ العراقي المعاصر في المستقبل. ان نظرة فاحصة منصفة لتاريخ الادب العالمي تبين لنا مما لا يقبل الشك ان أسماء الكثير من  المبدعين في خارطة الابداع قد انطلقت الى العالمية من خلال تجسيد هؤلاء الادباء آمال شعوبهم وآلامها وتطلعاتها والمشكلات التي رافقت الازمات التي مرت بها تلك الامم والشعوب وما رافق ذلك من تداعيات عديدة انعكست بشكل او بآخر على خلاصة المشهد الحاضر في حينه، وان ادباءنا العراقيين المبدعين بوسعهم تجسيد المشهد العراقي الدامي. وعلى وفق ما تقدم يمكن للادباء ان يوثقوا الاحداث التي تمر بالعراق في اعمالهم بحسب مراحلها التاريخية التي استعرضناها آنفاً وعلى وفق رؤيتهم المحلية مستفيدين من تجارب باقي شعوب الارض. وان نتاجهم سيفرض نفسه بكل جدارة واستحقاق وسوف يبرزون النقاط الايجابية المشرقة الجديرة بالذكر والاعجاب وداعين الى تجنب نقاط الضعف السلبية لغرض التوصل الى سبل المعالجة والتصحيح. وهذا هدف سام يتعاضد مع سائر الاهداف السامية والنبيلة لنظم التعليم والقضاء والصحة الصحيحة والسليمة في بناء نسيج المجتمع السليم المرتجى..

****************

 الوضع الثقافي الراهن

 بعد بضع سنوات من سقوط الدكتاتورية وما تركته من تركة ثقافية ذات طابع خاص يتركز حول الاشادة بالنظام وقائده، وفتح الحقائب لاستقبال الهدايا من ممثلي النظام اكراماً لمواقعهم من الاحداث وتضامنهم مع كل خطوة كان يخطوها القائد على أديم اخضر...

نقول بعد هذه السنوات، ماذا جرى، كيف تسير الامور وما هي طبيعة العطاء الفكري والسياقات الثقافية التي استجدت..!؟

 الفريد سمعان

 انها تساؤلات جديرة بالاحترام وبالحوار الجاد ايضاً.. ولعل اول صورة تلتقطها العيون هي هذا الانتشار الواسع في الساحة الثقافية حيث تجد عشرات الصحف والمجلات والكتب التي طبعت ومازالت تاخذ دورها في النشر سواء اكان ذلك بجهود مديرية الشؤون الثقافية او اتحاد الادباء او المؤسسات الثقافية الاخرى وكذلك قيام عدد كبير من الادباء بطبع مؤلفاتهم على نفقتهم الخاصة.. اذاً يمكن القول ان حركة النشر لم تتوقف رغم الامكانيات المحدودة وقلة الدعم الذي تقدمه الدولة عن طريق مؤسساتها لعملية النشر. مع التأكيد على هذا الانفراج الديمقراطي الذي اتاح للشاعر والكاتب والمبدع عموماً ان يقول ما يشاء دون رقيب ويظل الحساب بين المنتج والناقد وهذا امر طبيعي وحضاري يدعم عملية النشر وحرية الحوار من شتى مجالات الحياة.

وبالرغم من عدم وجود اذاعة رسمية للدولة فأن هناك مجموعة كبيرة من الفضائيات التي تقدم برامج ثقافية بعيداً عن الحساسيات والخوف والتلكؤ.. رغم ما يحيط بالاعلاميين من مخاطر وقد سقط منهم شهداء بواسل هم ضحايا الكلمة الحرة الشريفة..

يرافق هذا الاجتماعات والندوات التي تعقدها بعض الجهات وعلى رأسها اتحاد الادباء الذي يواصل نشاطه اسبوعياً ويستضيف العشرات من الكتاب والشعراء والفنانين ويتيح الفرصة للمنظمات الاخرى بأن تزاول نشاطها في بنايته المتواضعة.. في حين تبرز بعض القاعات وتفتح ابوابها كقاعة حوار في عرض اللوحات التشكيلية للفنانين وتقوم ببعض النشاطات الثقافية الاخرى..

ولن ننسى ايضاً المقاهي الادبية كمقهى الجماهير او حسن عجمي والزهاوي وسواها رغم تواضع ما تقدم من انجازات في هذا الميدان او ذاك.

ومن الجدير بالذكر نهوض فروع اتحاد الادباء في مختلف المحافظات وعلى قدر امكانياتها المتواضعة في مجال التواصل الثقافي عبر اجتماعات ولقاءات اسبوعية او نصف شهرية وتفسح الطريق امام الطاقات الشابة اضافة للمخضرمين الذين لا يبخلون بما لديهم.

ولعل من ابرز النشاطات هو اقامة المهرجانات الثقافية لا في بغداد وحدها بل في المحافظات، فالمربد والسياب في البصرة، والحبوبي في الناصرية، والمتنبي في واسط، والجواهري في بغداد.. ومهرجان المدى السنوي يجمع بين جناحيه نشاطات ثقافية واسعة الافق ومتنوعة وكذلك المناسبات الوطنية حيث تشد من عزائم المبدعين وتدعوهم لتقديم ما لديهم وتحريك الاجواء الثقافية..

وعموماً فأن الوضع الثقافي رغم الظروف الصعبة يبشر بالكثير ويحمل قناديل المستقبل جروح وثابة وجهود حثيثة.. وتنفتح الاجواء على طاقات ابداعية جديدة سيكون لها مستقبلها.. واقلام واعدة سوف تتألق وتعطي وتبني صوامع للفن والفكر التقدمي وتسهم في اعلاء شأن الحضارة بوشاح الانسانية الجميل، ولن ازيد فالاخبار تأتي من خارج فنقول بانكم ابطال تعملون ومازلتم تعملون في هذه الاجواء الخانقة والظروف الصعبة.

تحية لادبائنا وفنانينا وسوف تنتصر الكلمة الحرة الشريفة.

 ******************

 راهن  المشــــــــــهد  الثقـــــــــــــــــــافي  العراقي

 فاضل ثامر

 ولذا ظلت الثقافة العراقية بعد سقوط النظام الدكتاتوري تناضل للتخلص من التأثير الكابوسي المدمر للسياسة الثقافية الفاشية التي اذلت المثقف ودفعته للصمت او الهجرة بعيداً عن ارض الوطن. لكن عملية "التطهير" هذه لم تستكمل شروطها، ذلك ان عقابيل سقوط النظام الدكتاتوري كانت مريعة ومؤلمة.  ففي مقابل سقوط الدكتاتورية وجد المثقف العراقي نفسه في مواجهة قوى الاحتلال الاجنبي، الذي  اسقط النظام الدكتاتوري لمصلحة حساباته الخاصة وليس حباً بسواد عيون ابناء الشعب العراقي. كما ان تفاقم الازمة السياسية وصعود مظاهر  الاحتراب الطائفي ودموية الممارسات اللاإنسانية لقوى الارهاب والعنف ادخلت المثقف العراقي، ونتيجة لذلك الثقافة العراقية، داخل نفق مظلم، ومتاهة لا حدود لها، مما ولد لدى هذا المثقف صدمة كبيرة لم يستطع حتى الان تملكها وتجاوزها بسهولة. ولذا ظلت الثقافة العراقية تنزع نحو ممارسة هامش الحرية، والبحث عن ادوات واساليب ورؤى ابداعية بديلة لثقافة الماضي، لكن هذا النزوع كان يصطدم دائماً بالخوف من المجهول ومن غياب الاستقرارالنفسي والامني والاقتصادي والاجتماعي. الشروط الاهم في أي نهوض ثقافي شامل:

كان من الطبيعي ان يحاول المثقف العراقي التعبير عن مرحلة التحولات الجديدة هذه بكل ما فيها من اخفاقات ومعاناة ومكابدات، وان يفضح في الوقت ذاته حجم معاناة الثقافة العراقية واستلاباتها تحت ظل انظمة القمع الشمولي سيئة الصيت، لكن هذا لم يتحقق، وللاسف، الا على مستوى محدود وضيق.

وربما كان الشعر، بقدرته السريعة على الرد والاشتعال، هو الاستثناء الابرز. فقد اجتهد الشاعر العراقي في ان يتفاعل مع الواقع الجديد وان يحاول ان يخط في سفر الثقافة العراقية سطوراً جديدة، لكنها ظلت محكومة الى حد كبير بأساليب الماضي التعبيرية ولم تكشف عن نمو بنيوي لمشروع ثقافي بديل. اما بقية الاجناس فقد ظلت اكثر تلكؤاً ولم تحقق إلا نقلاتٍ محدودة. وهو يؤكد ان شروط الابداع والتحول الثقافي البديل لم تكتمل بعد، ومنها الاستقرار والتفاعل الخلاق بين المثقف العراقي والمجتمع وايجاد الارضية الصالحة للابداع من خلال العناية بالمؤسسات الثقافية واعادة ترميمها وهيكلتها واعتبار المثقف العراقي عنصراً فعالاً ومؤثراً من عناصر بناء المجتمع الديمقراطي الجديد الذي نسعى جميعاً الى تأسيسه.

الا ان هذا التوصيف لا ينحاز الى رسم صورة سلبية او قاتمة للمشهد الثقافي الراهن، وذلك ان شرائح كبيرة من المثقفين العراقيين انخرطت في السنوات الاربعة الاخيرة في العملية الاجتماعية والديمقراطية والثقافية ودافعت عن مكتسبات الشعب العراقي وسعت بجدية للدفاع عن قيم الثقافة الانسانية والوطنية الجديدة واستنهاض قوى جميع المبدعين العراقيين لينهضوا بدورهم الوطني دفاعاً عن الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان ومن اجل استكمال شروط السيادة الوطنية وانهاء مظاهر العنف والارهاب والطائفية داخل المجتمع العراقي.

والمثقف العراقي، الذي يندرج ضمن اطار "المثقف العضوي" حسب تحديد غرامشي، قادر بالتأكيد على تجاوز الصدمة الراهنة والعبور الى فضاءات الابداع وتأسيس ثقافة عراقية بديلة.

**********************

  راهن الثقافة العراقية

 جدل الهويات وازمةالسلطة

علي حسن الفواز

 يبدو لي ان راهن الثقافة العراقية لايحمل في جوهره الاّ أزمة المثقف العراقي ذاته،أزمته الوجودية،الانسانية،الامنية، الابداعية، اذ ان هذا المثقف و بعد اكثر من اربع سنوات من الوقوف متفرجا ومتسائلا وربما مطرودا من يوميات المشغل السياسي، اضحى واقفا امام منعطفات وجودية اكثر تعقيدا واكثر لجاجة في اثارة الاسئلة!الحادة و الكاشفة عن وقائعه البيض!!! ومدوناتها في هذه اليوميات المكشوفة على احتمالات الوجود والعدم!!!او الحرية والفوضى.، والدولة العضوية وغيابها..

 ازاء تمظهر هذه الثنائيات المتوهجة والحاضرة في اجندة المشغل السياسي العراقي، فان المثقف العراقي لايملك الاّ ان يعيد الكثير من حساباته ليس مع التوليفة السياسية الجديدة بكل مستوياتها و عقدها واشكالاتها ومرجعياتها، وانما مع تاريخ طويل من السرديات والمدونات التي كانت محمولا رمزيا لشفرات الغياب والمسكوت عنه،تلك التي صنعت محنته في المكان والايديولوجيا والسلطة، وجعلته امام انماط تراكمية من المثيولوجيات القهرية التي كرست علامات النسق في الوجود والتحريم والحاكمية ومنظومة الفقه الثقافي والتشريعي والدولتي (سياق الدولة)

ومن هذا المنطلق ندرك ان الكثير من ملامح الازمة يتجوهر في اصل الدولة القديمة، اذ قد كرست هذه نسقا لاعقلانيا للدولة في اطار مفاهيم السلطة ومثيولوجياتها،وفي اطار علاقة العقل بمنظومة من المفاهيم التي تؤسس نظامها الافتراضي في ادارة هذه الدولة !!وفي صياغة العلاقات التي تحكم الظاهر الثقافي والسياسي بعيدا عن أي اجتهاد يسعى الى تفكيك او اعادة انتاج شفروية النسق الذي يشكل اصل الدولة أي نظام الحاكمية في مستوياتها المتعددة بدءا من سلطة الملك او الرئيس او العقائد وصولا الى سلطة التشريع وثقافوية تداول النصوص......

ان المثقف  المتورط بكل اشكالات هذه المفاهيم والمرجعيات والحافظ لنوعها !! ما عليه الاّ ان يراجع الكثير من حساباته وان يعيد تأهيل الكثير من ادواته ويخضع الكثير من قناعاته ووعيه الى مراجعة دائمة، حيث تضعه في الجهة الرخوة من (هرم السلطة/ الحاكمية المركبة،مثلما تضعه ايضا ازاء تمظهرات محنته التي قد يقف وعيه ازاءها  وهو يواجه اتساع التصدعات العميقة في داخل البنية الوجودية والمعرفية وحتى (الرسالية) للخطاب الثقافي الطاعن في ازمة مركباته السحرية والغرائبية وقراباته المريبة مع معطيات ونتائج السياسي المهيمن والسياسي القمعي والسياسي التاريخي المسؤول نصف مصائبنا اذ هو الصانع الاثير للعلاقة الاشكالية والوعي الشكل والادارة الاشكالية داخل المكان/ الايوان والمكان/ المؤسسة..

ان اعادة انتاج مفهوم الدولة في ضوء معطيات ماهو حادث وماهو اشكالي يعني اعادة انتاج كل الاشكالات التي أسهمت في تشكيل دولة النسق القديم وسردياتها الكبرى المثيولوجية والعقلانية !!! وهذا بلا شك يفترض ان هذه الدولة هي دولة قمع مثلما هي دولة طموح سياسي!!وان المثقف في سياق منظومتها الوجودية والرمزية اما هو كائن مقموع وان انماط ثقافته ونصوصه هي علة لوعيه القهري،واما ان ثقافته القديمة التي انتجها طوال عقود من الزمن تحولت الى منظومة نفسية قهرية والى مجال (مازوخي) يكرس ثقافات الهامش الطقوسي الاستلابي...

ان الكشف عن مشكلات تاريخ القمع والاقصاء في تاريخنا السياسي والثقافي،يمنحنا قراءة اكثر سعة لوعي تشكلات ظاهرة السياسي القمعي/ السلطوي وظاهرة السياسي الاستعراضي وظاهرة السياسي التوفيقي التي بدت كلها  مؤثرة وضاغطة على واقع الثقافة العراقية، اذ انعكست هذه الظواهر على  تشكلات المنظومة السياسية والادارية والايديولوجية في نموذج السلطة الجديدة التي يقوم مشروع حاكميتها اصلا على التوافق!! مقابل استمرار الكبت القهري للايديولوجيات والعقائد والتعبير عنها بحرية واعية،تلك ( التي كانت في اطار الصراع السياسي التقليدي شكلا للمواجهة الاجتماعية )وان اعادة انتاجها داخل سياقات مختلفة !! يمنح هذا الصراع ابعادا ومعطيات هي اكثر تعبيرا عن الفاعلية السياسية،لكن النكوص السلطوي والذهاب بعيدا في مفهوم التوافق والتحاصص افضى الى مجموعة من الاشكالات المعقدة التي وضعت السلطة كمفهوم وكاجراء امام استحقاقات افرزت ماهو سلبي في تنظيم ادارة الدولة واعتماد الكثير من الممارسات المشوهة التي لم تستوعب جوهر التحولات والحراك السياسي الجديد،،، وربما كان هذا التوافق القهري سببا في انتاج آخر لظاهرة القمعي الاكثر شمولا في اطاره الشعبي، و في اطار وعيه للعملية الثقافية وتداول انماطها،والتي فرضت قسرا عبر اعادة انتاج علاقة مشوهة مع المواطن و المثقف ومع المكان والسلطة والمعيش والمقدس في آن!!!!،اذ تحولت هذه الظاهرة الجديدة الى بؤر سرية لانتاج ايديولوجيات في الرعب !!! وبالتالي مشكلات اخلاقية وثقافية تكرسها دائما انماط القمع السياسي واليات الطرد التي تمارسها ايديولوجيا الرعب،والتي صنعت لها للاسف بيئة اجتماعية وسياسية حافظة لعلاقات ابوية معقدة تقوم على فكرة الآباء الرعاة/نموذج القائد الضرورة!!! وفكرة الابناء المطيعين/الخاضعين بالاكراه، وكذلك فكرة الآباء الوارثين للمقدس ونظام المعيش/ ادوات الانتاج مع الاتباع والاجراء الذين يعملون مقابل حفظ نوعهم السلالي/ علاقاتهم وحمايتهم في المكان،، لقد تحولت هذه الظاهرة تحت مهيمن القمعي الجديد الى توليفة غريبة تماثل تكريس مفهوم القوة الجمعية عبر تكريس النوع / السلالة الاثنية مقابل ظهور قوة الفرد/الاب/ المالك بشكل استثنائي،،لان هذا التوريث الاشكالي للعقد النفسية والثقافية والاشباعية تم تكريسه على اساس بقاء المكون النوعي لتلك الحاكمية في كل انساقها واشكالها وتمظهراتها في السياسي والديني والعائلي والاقتصادي....

وبعد مرور اكثر من اربع سنوات ودخولنا زمنا مفتوحا من تغير المنظومة السياسية الشمولية لم تجر اية محاولة جادة وحقيقية في تاريخنا السياسي الجديد لتفكيك هذه التشابكات الموروثة،لا على مستوى انتاج الخطاب ولا على مستوى انتاج المؤسسات في(نسق الحاكمية/السلطة )و رغم حدوث بعض الانزياحات المهمة والخطيرة في تاريخ الدولة العراقية،والتي انعكست نتائجها على هوامش شعبية ومكونات لم تستطع ان تتغلغل داخل الجسد السلطوي الشمولي، اذ ظل هذا الجسد في منأى عن التفكك وحافظا لنوعه ومرجعياته العصابية عبر ادامة فكرة الاب/ العراب والذي تحول الى رمز للمالك والداعية والقائد العسكري وصاحب الحسبة وعينه،وربما اصبح هو المفسّر والمؤول والمختار والقارىء الوحيد في المحيط الأمي!!! وهذا النموذج ليس (ثوريا) بالمعني الماركسي الذي يهدد منظومة الانتاج التراكمي للسلطة ويعيد تركيب ادوات وعلاقات انتاجها،،انه ظل المتفرج وصانع اللذات ومستهلكها الوحيد عبر تماهيه مع فكرة الفحولة الابوية التي ظلت بعيدة عن الانحلال والتفكك...ولعل هذا هو اكثر جوانب الاختلاف بين توظيفات العقل العربي للازاحات التاريخية والثورية وبين العقل الغربي رغم تماثل الكثير من مزاجهما التاريخي في قرون الاضطهاد الكنسي في اوربا والعصابي والمغولي فيما بعد في شرقنا العربي والاسلامي بكل تلويناته،واشكاله و التي انتهت لسيطرة الدولة العثمانية التي اسلمت العقل العربي الى ظلامية وسكون خطيرين و لم تجد بالمقابل اية محاولات جادة وحقيقية لاي تفكيك للسلطة المركزية، فضلا عن أنهيار مفهوم الدولة بمعناها العصابي في اوربا وبلاد العرب!!!  لقد حفل التاريخ الاوربي بمحاولات ازاحة متواصلة رغم كل التعقيدات للنظم القديمة تم استثمارها باتجاه تفكيك شمولي للعلاقات الانتاجية وعلاقة المجتمع مع السلطة وادى اتساع وتعقد ظواهر العمل خاصة بعد انهيار المرحلة الاقطاعية الى نشوء تفككات في مفهوم السيطرة والرقابة وتفكك المفهوم المركزي للمعيش، وصولا الى السلطة ذاتها التي فقدت الكثير من المعيتها وهيبتها وقوتها الشمولية والتي تم تتويجها بالثورة الفرنسية،باعتبارها وبمعنى خاص ثورة ثقافية استخلصت كل تاريخ الازاحات المعقدة التي حدثت من بواكير القرون الوسطى الاضطهادية وصولا الى نشوء الدولة البرجوازية التي سعت الى تكريس القيم المدنية في المجتمع واعادة انتاج مفهوم السلطة والحريات وعلاقة المواطن بالسلطة والارتقاء بالقيم الثقافية والتعليمية والتي اسهمت فيما بعد الى نشوء مجتمع مدني ضاغط وفاعل داخل المجتمعات الغربية.....

وهذا لم يحدث في شرقنا السعيد الذي ظل بمثابة الحديقة الخلفية للدولة العثمانية التي حلبته في حروبها واستثمار ثرواته دون ادنى انجاز ونماء ثقافي وتعليمي،بل ان ظاهرة الحروب الاهلية وتكريس الكارزمات الاجتماعية والعشائرية والدينية تكرست بشكل واسع مع هيمنة الدولة العثمانية الى الحدّ الذي يؤسس فيه السلطان العثماني مدينة باسم أحد شيوخ العشائر لضمان ولاء عشيرته ضد الثورات الشعبية في الجنوب العراقي الجائع والمنتفض،لان الحركات والانتفاضات الاجتماعية كانت بدون مشاريع وبرامج ثورية حقيقية وواضحة وربما ذات نزعات مطالبية،كثيرا ما سعت السلطنة العثمانية بمعية مريديها من شيوخ العشائر وبعض رجال الدين الى تفكيكها وحرفها عن اتجاهاها الصحيح،وهذا جزء من التداعيات الصراعية التي ابقت تابو السلطة بعيدا عن كل التحولات التي اقترنت بالمشهد السياسي في المنطقة،فضلا عن ما انعكس ذلك من خلال القراءة التي تلمسها المستعمرون الجدد قبل وبعد الحرب العالمية الاولى الذين عمدوا على ابقاء(النمط السلطوي) مكرسا ومهيمنا بكل عدته وانماطه ورموزه،اذ ظل نمط السلطة التقليدية خاضعا لاطار تشكيل الاصطفافات السياسية على اساس ما تمثله هذه القوى من كارزما سلطوية (عشائرية/ دينية) في المجتمع بغية الاستمرار عبر ذلك في تثبيت فعل السيطرة.. ولاشك ان المثقف العراقي ازاء هذه المعطيات ظل هامشيا عن المتن السياسي وان تاريخ نضالاته الاجتماعية والفكرية لم يكن عميقا وقادرا على انتاج خطاب ثقافي له الاثر في خلق خطابات ثقافية تحرك الوعي الاجتماعي وتكرس تحولاته !!بحكم وجود النسق الايديولوجي /العقائدي مقابل أنسنة الخطاب الذي ينتجه هذا النسق للحراك الشعبي وتعبئته بمواجهة مهيمنة السلطة دون الاهتمام بما يمكن ان نطلق عليه الوعي النوعي الذي ظل وعيا نخبويا متعاليا معزولا...

ان راهنية الثقافة العراقية ليست مسألة زمنية (افقية)، اذ لايمكن ادراك الكثير من اسئلتها وازماتها  دون معرفة تاريخ الازمات العميق للدولة العراقية السياسية والثقافية،فهذه الدولة وبعد سنوات من الصدمة السياسية والاحلام الفائرة ظلت مؤطرة بذات الازمات القديمة بدءا من ازمة الادارة وانتهاء بازمة الانتاج !! وان المثقف العراقي ظل للاسف يكرر انتاج اوهامه القديمة في ظل هيمنة تقليدية للسياسي السلطوي والسياسي الايديولوجي والسياسي الاداري !! وان صناعة الثقافة لم تزل للاسف صناعة كاسدة مقابل غياب واضح للاطر المؤسسة التي تستوعب حيوية الحراك الجديد،وبمواجهة تداعيات خطيرة منبجسة اصلا من ازمة الدولة القديمة القامعة للهويات والمتجوهرة في فرض الرعوية/الحاكمية..

ان البحث عن مجال حيوي لتفعيل الواقع الثقافي يحتاج اولا الى التشريعات القانونية والى تأمين مشاركة حيوية للمثقف والثقافة الابداعية ودعم مؤسسات الثقافة المدنية وانقاذ وزارة الثقافة من محنة (الدولة القديمة) ومحنة المحصصات واعتبارها وزارة امن وطني !! ولاشك ان هذه الاجراءت الضرورية والعاجلة باتت من الامور التي ينبغي تداركها لكي ننقذ السياسي الاداري من ازماته وصناعته غير المنتجة باتجاه صناعة انسانية تجعل من السياسة والادارة قابلان للتداول والتسويق والحماية وانقاذ الهويات والثقافات الثانوية من اوهام التهميش، وانقاذ الدولة الجديدة ذاتها من اوهام الدولة الطاردة والدولة المهيمنة...

***************

الثقافة في العراق:   أزمة لكن ليست مستعصية

 ناطق خلوصي

يبدو لي ان راهن الثقافة العراقية لايحمل في جوهره الاّ أزمة المثقف العراقي ذاته،أزمته الوجودية،الانسانية،الامنية، الابداعية، اذ ان هذا المثقف و بعد اكثر من اربع سنوات من الوقوف متفرجا ومتسائلا وربما مطرودا من يوميات المشغل السياسي، اضحى واقفا امام منعطفات وجودية اكثر تعقيدا واكثر لجاجة في اثارة الاسئلة!الحادة و الكاشفة عن وقائعه البيض!!! ومدوناتها في هذه اليوميات المكشوفة على احتمالات الوجود والعدم!!!او الحرية والفوضى.، والدولة العضوية وغيابها..

 تجد ظروف الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي انعكاساً لها في الثقافة التي تشكل الجزء المكمل لهذا الواقع والاطار الفكري الذي يؤطره. ومن هنا فان ما يطرأ على هذا الواقع من ازدهار أو تدهور انما يفضي بدوره الى ازدهار او تدهور الثقافة تبعاً لذلك. ولأن هذا الواقع يعيش حالة أزمة راهناً، فان ذيول هذه الازمة تنسحب على الثقافة، لكن أزمة الثقافة ليست مستعصية على أية حال.

حين نتحدث عن راهن الثقافة في العراق فانما نعني ثقافة المرحلة التي نجد من يقول عنها انها المرحلة الانتقالية، وهي مرحلة الاحتلال في واقع الامر: المرحلة التي بدأت قبل اكثر من اربع سنوات وافرزت ما يمثل مصدر عناء لمنتجي الثقافة ومستهلكيها معاً. ونزعم ان بداية هذه المرحلة كانت واعدة وقد تجلى ذلك في التوسع الذي حصل في حجم مصادر التوصيل الثقافي متمثلة في الصحف والمجلات ومحطات الاذاعة وقنوات التلفزيون الارضية منها والفضائية، فضلاً على اتساع دائرة حرية التعبير وغياب تزمت الرقابة او انحساره. لكن هذا التوسع ظل كمياً ولم يصاحبه تطور نوعي يفضي الى تطوير مسيرة الثقافة بصورة واضحة. لقد توقفت صحف ومجلات عن الصدور لعدم قدرتها على المطاولة او لأن اصحابها او القيمين عليها لم يكونوا يمتلكون من الخبرة والكفاءة ما يؤهلهم لاصدار صحف رصينة تستند الى قاعدة جماهيرية عريضة تضمن لها مستوى عال من المقروئية. غير اننا لابد من ان نشير الى ظاهرة ايجابية تتمثل في اصدار الصحف اليومية صفحات ثقافية بل ان بعض الصحف تصدر ملاحق ثقافية يومية او اسبوعية او شهرية مثل "الف ياء الزمان" و"ابعاد ثقافية التآخي" و"الطريق الثقافي في طريق الشعب" الى جانب ملاحق "الصباح" المنوعة. وحين نشير الى الثقافة فاننا لا نعني الأدب والفن فقط. فقد اتسع مفهوم الثقافة حتى صار يغطي منظومة واسعة من فروع المعرفة الانسانية المختلفة.

وفي الجانب السلبي يمكننا ان نؤشر ظاهرة تسلل بعض الطارئين على الثقافة الى الصحف ليشكلوا مصدر تهديد للثقافة الرصينة، اما في المحطات الاذاعية والقنوات التلفزيونية، وباستثناء عدد محدود منها، فقد ساد نمط غريب من الثقافة، نمط استهلاكي سريع نجيز لأنفسنا ان نطلق عليه تسمية "ثقافة الموبايل" زاد من مخاطر هذه الثقافة الهجين ظهور مقدمي برامج غير مؤهلين لاسيما في عدد من البرامج التي تعتمد على الاتصال المباشر مع مستمعي الاذاعة ومشاهدي التلفزيون حتى صار امثال مقدمي البرامج هؤلاء يعملون على تخريب الوعي بدلاً من تطويره، في ظل غياب رقابة الدولة والمجتمع معاً، وهو غياب يبرر بالرغبة في صيانة حرية التعبير وهو مبرر يفقد مشروعيته حين تتحول حرية التعبير المقترنة بالتسيب الى اداة هدم لا بناء، ليتجلى معها عامل من عوامل أزمة الثقافة، ولعل من اخطر ما طرأ على حياتنا الثقافية توقف مفاصل اساسية منها عن العطاء لاسباب يرتبط ابرزها بتدهور الوضع الامني. وقد قاد هذا التوقف الى توزيع اغلب العاملين في هذه المفاصل على المنافي القريبة والبعيدة، وينطوي هذا على مفارقة مثيرة للأسى. فحيث كان مؤملاً ان يعود المبدعون العراقيون المغتربون الى الوطن ليسهموا في عملية بناء وتطوير الثقافة الوطنية ويوظفوا خبراتهم لهذا الغرض، فان من عاد منهم ما لبث ان حزم حقائبه راجعاً الى منفاه السابق بعد ان اصابه اليأس من توفر البيئة الملائمة للابداع، لينضاف اليهم عدد كبير من المغتربين الجدد.

ومن ابرز ما يلاحظ في حياتنا الثقافية غياب سياسة ثقافية واضحة للدولة الى جانب عدم الاهتمام الحقيقي والجدي بالثقافة مما ادى الى انسحابها الى الهامش، مع عدم ثبات معايير التعامل مع الثقافة والمثقفين. ويضاف الى ذلك كثرة التغييرات في القيادات الثقافية وتسلل عناصر لا علاقة لها بالثقافة لا من قريب ولا من بعيد، الى مراكز متقدمة، خضوعاً لاعتبارات معينة لا علاقة لها بالخبرة والكفاءة. وعلى الرغم من وجود لجنة للثقافة في مجلس النواب، فان هذه اللجنة لم تقدم شيئاً ملموساً يخدم الثقافة والمثقفين، وبعد غياب اكثر من عام خرجت علينا بورقة عمل لا نعتقد انها ستنال اهتمام اعضاء المجلس المشغولين باهتمامات اخرى غير الثقافة. ومع ان عملية اصدار الكتب لم تتوقف تماماً، فان ما تنتجه المطابع يظل في الغالب مكدساً في مخازن جهات الاصدار بسبب صعوبات التوزيع الناشئة عن تردي الوضع الامني وعزوف المهتمين بالثقافة عن القراءة بسبب هذا الظرف.

وظلت النشاطات الثقافية العامة محدودة الاثر ولم تعد على تماس حقيقي مع جمهور الثقافة الذي يعاني من رد فعل بسبب غياب البيئة النفسية التي تشجع على ممارسة او متابعة النشاطات الثقافية.ويقف التهافت على المكاسب الشخصية وراء بعض الصراعات التي تعيق مسيرة الثقافة في البلد، ويصاحب ذلك سوء الادارة وعدم الاحتكام الى معايير العدالة في التعامل مع المثقفين.

واذا كانت هذه بعض مظاهر ازمة الثقافة العراقية الراهنة، فانما هي أزمة ليست مستعصية، بل يمكن القول بتفاؤل انها ازمة مؤقتة وآيلة الى الزوال بزوال الظروف التي تسببت بها. ان ثقافتنا تتوافر على ما يؤهلها لأن تتجاوز أية أزمة. فهي تحتمي ببعدها التاريخي الذي تمتد جذوره الى آلاف السنين، كما انها تتوافر على حيوية من طراز خاص وعلى روح التجديد، مع توفر منتجي ثقافة اكفاء في داخل العراق وخارجه الى جانب التزايد المستمر في اعدادهم وبما يشكل رصيداً حياً يرفد المنجز الثقافي بشكل متواصل. ونضيف الى ذلك حضور مؤسسات ثقافية. في مقدمتها مؤسسة "المدى"، تحرص على ديمومة الثقافة العراقية وتواصل حضورها بكل رصانتها، محلياً وعربياً. ولعل في مقدمة ما يمكن للدولة ان تقدمه للثقافة يتمثل في اختيار قيادة ثقافية مخلصة تتسم بالكفاءة وتبدي حرصاً على ديمومة الثقافة الوطنية، ثقافة كل الشعب، وتطويرها وازدهارها، بعيداً عن الاعتبارات الخاصة التي كادت تقصم ظهر البلد وثقافته!

 ***************

إبنة هادي العلوي الصينية!

 لمناسبة الذكرى العاشرة لرحيله

 خلدون جاويد يستذكر هادي العلوي

 خلدون جاويد

اليوم سيهب علينا أريج كونفوشيوس، ووهج من روح الفيلسوف هواي نان تسه ونفحة روحانية من صوفية الأديب أبي الحسن البغدادي!  اليوم أخبرني صديقي الدكتور غانم حمدون بأن ابنة هادي العلوي" wu yunru " ستعرّج لوداعه فهي مغادرة للندن نهائيا اذ انتهى عقد عملها في مصلحة تبادل الخبراء، وسنتناول معها وجبة الغداء لو كان بوسعها ذلك، فهي على عجلة من أمرها.  أطلت في الواحدة ظهرا من يوم 14/8/2007، وكنت في الصالة استمع لترحيب الدكتور غانم بها، وأنا على تلك الدرجة من الفرح والسعادة برؤية ابنة الرجل الأبي والكاتب العراقي الزاهد والشخصية المرموقة في عالمنا النزر، الذي لم يجد الاّ بالقليل من أمثاله. كيف ستكون ابنته ياترى؟. وبلا مبالغة كنت شديد التعلق بفكرة رؤية امرأة صينية هي من دمنا ولحمنا! مع ان العالم اجمع هو روح واحدة لافصام لها في النظر الانساني الشمولي.

 كانت امرأة نحيفة، متوسطة الطول، طيبة الوجه، باسمته، ولكنه وجه صيني مائة بالمائة، ولا أثر لملامح أبي الحسن فيه. ولحظتها لم يتح لي أن استفسرعن ذلك.

 تبادلنا التحايا والترحيب، وقام أبو ثابت بتعريفنا لبعضنا. كان اسمها زهرة، وهي تفوح رقة في طريقة نطقها للغة العربية الفصحى ونحن بدأنا نتحدث بفصاحة أيضا وباعتناء يضحكني في داخلي اذ لم اتعوّد الكلام الأ بتلقائية اللهجة العراقية الدارجة. ياإلهي كم جميل لفظها العربي وبايقاع صيني. تدرج الحديث عموما نحو الحياة في بكين وتجربة بعض الأشخاص هناك، وكيف كان هادي العلوي كريما مع الناس وخاصة مع بعض العوائل المحتاجة، وعن نشاطه في التعلم والتعرف على الأدب والسياسة والحياة. وكم كانت هي هيمانة بذكراه. وكيف ان أبا الحسن البغدادي كان نموذجا للعطاء ولقد قالت زهرة وبالحرف الواحد : ان هادي العلوي يعطي ولايأخذ!.

 وهكذا كان والدها مدار حديثنا، فذكر لها الدكتور بأني من محبيه واني رثيته.. كما أشرت أنا الى رسائل تبادلناها ومشاعر صداقية واخوية ربطت بيننا  وهي حبيبة على قلبي اعتز بكل حرف فيها، منها انه أشاد بقصائد لي في ديوانين كنت قد ارسلتهما له الى بكين، فعلق تعليقا جميلا عليهما، ولقد اخبرني بوقتها انه أهدى هديتي اليه الى مكتبة جامعة بكين وهذا تقليد هناك بغيته تعميم الفائدة بين الناس. رسائله اليّ كانت منذ أيام غادر المنطقة العربية بعد غزو الكويت وأنا أحتفظ بها كمن يضم صورة الحبيب الى صدره، لكنني اخجل من اظهارها للنشر مخافة ان يساء فهمي من قبل بعض الاخوة القراء، فهذا زمان التبجح واستعراض العضلات واجنحة الطاووس!.

 تمنت wu الحصولَ عليها وأعطتني الايميل الخاص بها لهذا الغرض، وطلب الدكتور غانم تلك الرسائل للنشر.

 اهديت زهرة ديوان شعري “قم ياعراق” الذي سبق ان اهديته الى غانم والذي تفضل بالتنازل عنه لها، وقمت بشرح مضمون مرثية في الديوان كتبتها عنه بعد وفاته :

هادي رسائلك الشذية زادي

كتميمة بيدي وتحت وسادي

رافقتني والبدر عرس هوادجي

وهجرتني والشمس ثوب حدادي

ولدوح فكرتك الظليلة زهرة ٌ

علوية فواحة ياهادي

لشميمها مازال يعدو فارسي

ويرود عطرك في العثير جوادي

قسما باسمك والتبتل والابا

اني اناصب زيفهم واعادي

لقبت بالعلوي اسم اميرنا

قزح الزمان وكوكب الزهّاد

فعليّ ُ مثل الجذع نسغ جذوره

أبتي ونبع ثماره اولادي

قسما سنطلع من تراب ضريحه

وجروحه كالشمس وجه بلادي

ولسوف يصدح في الاثير بلالنا

الحبشي قدسي الشذى وينادي

سقط الطغاة هلمي دجلة مازجي

بدم الفرات جنونك الطروادي

عام 1999. قصيدة بعنوان رثاء الى هادي العلوي – قم ياعراق. ص162.

الرسائل :

 الرسالة الاولى ونحن في دمشق : انها جواب على طلب نشر بعض القصائد،ولا يفوتني ان اقول ان هادي يتحلى بأتكيت التراسل والتواصل أي عكس تماما من الكثيرين الذين تهدي لهم عصارة قلبك في اكثر من ديوان فيلوذون بالصمت بعيدا عنك وكأنك شتمتهم عندما اهديتهم!

" عزيزي خلدون.. تحيتي ومحبتي..

القصائد كلها رائعة.. متفجرة.. كلها جميلة.. اداتك العمودية مكتملة، وتعمقك في تراث الجواهري يجعلك جديرا بالانتماء الى مدرسته مع اضافة مرموقة من روح الحداثة تعطي عمودياتك نكهة طريفة وجديدة.

 سأسعى الى نشرها كلها وسأبدأ بقصيدة ( طرطرا)

التي ستنشر في الغد الثقافي –عدد حزيران تموز، واعترضتني لوكراسيوس.. لأن الاسم مجهول عندي، ولعله عند الكثيرين. لو فكرت برمز آخر مألوف متناغم مع سياق القصيدة. رمز كردي مثلاً؟ واصارحك اني متضايق من كثرة الرموز الغربية في ادبنا. فلتنهل من تراث الشرق الغني المتنوع والممتد في اتساعه من آسيا الغربية والشرق الأقصى المترامي في التاريخ كما في الجغرافيا...

مع اعجابي وتقديري.

أبو الحسن

 طبعا بامتنان غامر تلقيت رسالة الاستاذ المربي هادي العلوي ابي الحسن البغدادي، وودت ان اشير له، لكن لم يتح لي ذلك بوقته، ان لوكراسيوس هو اسم شاعر وليس رمزا، وقد قال عنه ماركس: لوكراسيوس نضر وشجاع انه بالشعر سيد العالم!.

الجزائر عام - 1980

رسالة ثانية :

جنسيتنا الطبقية واحدة

والقبلات على سحنات الأطفال موحدة

بآذان بلال ( 1)..

 عزيزي خلدون

عليّ أن أشكرك لما أتحفتني به من شعرك الشعري بعد أن بعد عهدي به منذ هجرتي الاضطرارية وهجرتك المقابلة، ونحن ولله الحمد في هجرة دائمة. نعم جنسيتنا الطبقية واحدة ويوحدنا على سحنات الأطفال صوت الحبشي بلال وهو يوجه نداءاته للسادة الغر والبيض الوجوه فيتداعون اليه دون ان ينكره الاّ متعنت اكلته العنصرية فلم تترك له قلبا احمر ولاضميرا ابيض ولاعيونا سوداء. ذلك الذي قال وقد رآه يعتلي ظهر الكعبة : أما وجد

محمد غير هذا الغراب الأسود يؤذن له؟ لكن الغراب الأسود حافظ على لونه ورفض الابيضاض. وليس البياض هو شرط الكينونة كما يزعم (عمانؤيل كانت ) الذي لم يمنعه توغله في اسرار الوجود من تصدير العنصرية البيضاء وهو يقول : الملوّن غير قادر على التفكير!.. ولئن كان بعض الملونين من يصدق مقولة ( كانت ) فيرضى بالعبودية والتبعية فان روح الحكمة المتأصل في وعي الشرق يؤكد على الدوام سطحية الفكر الغربي وتناقضاته التي لاتعد ولاتحصى.

 " أموت وفي قبضتي زهرة من دماء الغفاري..."(2) هكذا أنا أيضا أموت وفي قبضتي زهرة من دم التاو، ونحن سواء في حكمة الشرق من يسوع الناصري الملطخ بدماء الأصيل (3) الى ابي ذر حمدان الى جداول الشفق الدامي فوق السور العظيم :

هكذا يوم تتويج الامبراطور

او تنصيب الوزراء الثلاثة

لاتبعث هدية من يَشَب

او فصيلا من اربعة خيول

بل الزم مكانك وأظهر التاو.

هو نفسه الذي اخرج التاجر والحاكم من ملكوت السماء، ومازال الصراع بينه وبين الامبراطور بأشكاله وتلاوينه ولغاته الشتى ونحن تلاميذه اغتربنا باغترابه وتوالت علينا الهجرات مابين تخوم الارض وتخوم العقل وضفاف الضمائر المبتلة بمياه الفرات والنهر الأصفر.. دائما اهاجر لئلا يحق علي ّ قول شيخي صدر الدين في المستقرين الراكدين الذين يقولون بسكون الأرض وتجلد التاريخ والنائمين على اسرة الحمد الأبدي بعيون مغرورقة بحلم السلام الذليل.

" ماجدوى الروح اذا لم تسكن في فوهة بركان "

(4 ).

 هاهي روحك الملتهبة اتحسس جمرها يأتيني من فوق الهملايا الى محطات السور العظيم وقد ابتلت بقطرات من انهار الصين تتأكد فيها القرابة مابين تاو الأبد وجبل قنديل.

 بلغتني رسالتك والمجموعتان وأنا أتأهب لمغادرة هذا البلد الكريم متوجها الى الوطن الآخر سوريا.

وذلك هو خياري الأخير حيث سأستقر الى ان تعود مياه الرافدين الى مجاريها.

 ساسافر بعد أيام. وأمل ان نبقى على اتصال بالبريد السوري، وعنواني هناك : هادي العلوي.. دمشق – المزة

ص ب 9045

اهديت المجموعتين بعد قراءتها الى مكتبة الجامعة والكتب تهدى اكثر من مرة لتعميم الفائدة منها. وكم هزني أن اطلع على كتب في مكتبات عامة وعليها اهداء المؤلف لصديقه، الذي قام بعد قراءتها بإهدائها الى مكتبة! وأذكر منها كتاب " التوهج العظيم " للفيلسوف التاوي العظيم ( هواي نان تسه ) بطبعة انجليزية عليها اهداء المترجم وهو من سكنة شنغهاي عام 1932، الذي صادف عام ميلادي!.

 اشكرك مرة اخرى... وكنت اتوقع ان لاتنساني كما نسيني بعض الباكين على شيوخ النفط من زملاء الأمس. لقد تخلّقت بأخلاق يسوع والغفاري واستحكمت فيك وانت تعيش في ملاذ غربي، روح الشرق التي لاتخبو... ايها الوفي النبيل.

هادي العلوي

بيجينغ 1994  

الأرقام أعلاه في الرسالة هي اشارات الى قصائد في الديوانين المرسلين .

( 1) : مقطع من قصيدة أسئلة الغرانق المهاجرة ص70 من ديوان شكرا من الكامب :

ان الحرب ضروس

والذئبة تلحس منذ سنين

كبد المدن المنفية

والنهر المتدفق بالأجساد البشرية

ينساب على مهل ٍ بغرانقَ طافية

فوق رمال بكاء ْ

وغرانق من ظمأ ٍ تنهار على حبة ِ ماء ْ

الدنيا شباك دُخان ْ  !

ورؤوس النسوة ِ ماعادت غير جماجم

ملآى بزهور ٍ ورصاص

ضاع أبي فوق خصيب القلب

وأُمي في الضفة الاخرى

جنسيتنا الطبقية واحدة ٌ

والقبلات على سحنات الأطفال موحدة ٌ

بآذان بلال

وبحصران الفقراء الممدودة حيث تعوّذنا

فلمن في ليلة غدر لا ليلة قدر للموت أُخذنا ؟

الجزائر في عام 1985/ والقصيدة عن الحرب العراقية الايرانية .

*******

( 2) : مقطع من قصيدة رسالة الى أبي ذر الغفاري ص49 من ديوان شكرا من الكامب :

روح تهاجر أوطانها

ولاتتهجى المذلة ..

أسكن بين ثيابك من شدة البرد .

لا أتمسح فوق وصيد السلاطين

أموت وفي قبضتي

زهرة من دماء الغفاري

اجرب أن أتمزق في الريح طيرا ً

بأسلاك أمتنا الشائكة

وأكتب اسمي

على سيف عروة َ

لا شيء أجمل من فقرنا

وأحلى من الموت

جوعا وراء الصعاليك ...

*******

 يؤكد هادي العلوي أعلاه – في مجال التعليق على القصائد -  ومرة تلو اخرى بأنه مخلص لأية علاقة انسانية وأدبية اذ يقوم بقراءة مايرسل اليه ويحيطه بالاعتناء والنقد والملاحظات، انه هو والأديب الراحل الشاعرعبد الغني الخليلي والدكتور حامد أيوب العاني والدكتور غانم حمدون وغيرهم وهم قليل، قد علموني كما علموا سواي من ادباء عراقيين عديدين اهمية الاعتناء بالمصنف الابداعي انتماءا وديباجة ً، وكان عبد الغني على سبيل المثال عاشقا وداعية من دعاة أدب التراسل الذي اعتنى به الجيل الماضي واعتبره – التراسل - ذخيرا ادبيا وألقا انسانيا بين من يحبون ويعشقون ويتواضعون، ولايقوى عليه  المتعجرفون المنتفخو الأوداج الذين لايمنحون الآخر أي كلمة تشجيع. نعم هناك حاقدون ونرجسيون لايمكنهم ان يحبوا!. وكم تكرم الدكتور غانم بدعوة اصدقاء وكتاب عديدين الى مأدبة